فهرس الكتاب
ويبدو لى في استعارة الحلاوة لهذه اللذة المعنوية سر بلاغى، وهو أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبين أن هذا الشعورالإيمانى مستمر مع المؤمن في كل الأوقات كما أن حب الحلاوة مستقر في طباع الناس في كل حياتهم ... ، فالحلاوة أظهر اللذات المحسوسة. وهذا التصوير النبوى فيه أثر من المثل القرآنى في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (إبراهيم: 24) "فالكلمة الطيبة هى كلمة الإخلاص، والشجرة الطيبة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر و اجتناب النهى، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جنى الثمرة، وغاية كماله تناهى نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها" [1] ، والمؤمن حين يجد هذه الحلاوة في نفسه وقلبه تتلاشى أمامه العقبات وتذلل له الصعاب، ويرى الوجه الحقيقى للدنيا، ويرى إشراق الإيمان، ويرى في كل عمل من الأعمال رضا الله في جانب الطاعة وسخطه في جانب المعصية، فيرى مجالس الذكر رياض الجنة كما جاء في الحديث"إذا مررتم برياض الجنة"
فارتعوا"قالوا: وما رياض الجنة؟ قال:"حلق الذكر" [2] ويرى أكل مال اليتيم أكل للنار"
حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء: 10) [3] ، ويرى العود في الكفر إلقاء في النار. كل هذا وغيره نجده في التصوير النبوى لهذا الشعور الإيمانى بالحلاوة. أترى هناك لفظة أخرى تعبر عن هذه المعانى وأثر هذه الخصال في النفس غير لفظة"الحلاوة"؟!
(1) يقول ابن القيم:"فإن الله سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوًا التى لا تزال تؤتى ثمرها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الراسخة في القلب التى فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة في السماء، ولا تزال الشجرة تثمر الأعمال الصالحة في كل وقت بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقها، ومراعاته حق رعايتها"الأمثال في القرآن ص 230,229. وهذا الحديث له شاهد من القرآن وهو قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأت الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين) (التوبة: 24)
(2) أخرجه الترمذى من حديث أنس - ح (2271) - مشكاة المصابيح 4/ 407
(3) فإنهم لما أكلوا المال المؤدى إلى عذاب النار شبهوا من هذا الوجه بالآكلين من النار فكأنه نار في الحقيقة. ينظر تلخيص البيان ص 127, والكشاف 1/ 510