فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 215

وأنتقل إلى روائع بعض الاستعارات والكنايات النبوية لنقف على ما فيها من أسرار الجمال ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوةالإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [1] فى هذا الحديث ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - خصالًا من كانت فيه وجد حلاوة الإيمان، وهذه الخصال لم تات في الحديث اعتباطًا، كما أن تصوير الشعور بها بـ"الحلاوة"لم يأت أيضًا اعتباطًا. فالنبى صلى الله عايه عبر عن الراحة النفسية والالتذاذ العقلى بالحلاوة ... ، وهى مما يشتهيه الناس ويحبونه على سبيل الترغيب لهم في الإقبال على هذه الخصال. وهنا تصوير هذه الرغبة وهذا الشعور في نفس المؤمن بالشئ الحلو، والأشياء الحلوة في حياة الناس أشكال وأنواع، وكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشبع شغفها من هذه الحلاوة. ولكن الحديث هنا تصوير لشعور المؤمن لا أى إنسان إن هذه اللذة لذة عقلية وراحة نفسية لا يجدها إلا المؤمنون [2] ، وكأن النبى صلى اله عليه يقول: إن كان أهل الدنيا يحبون الحلاوة الحسية من المأكولات فإن المؤمنين يشعرون ويجدون حلاوة ولذة أخرى لا يحس بها إلا أهل الإيمان. وهنا عبر عن ذلك الشعور بـ"الحلاوة"لا باللذة، فهذا الشعور الإيمانى له في نفس المؤمن أثر اللذات الحسية. واستعارة الحلاوة لرغبة المؤمن في الإيمان [3] فيها تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض

الصفراوى يجد طعم العسل مرًا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هى عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا نقص ذوقه بقدرذلك ... كذلك المؤمن يجد في حب الله ورسوله، ومحبة الناس في الله، وكراهية الكفر، يجد المؤمن في هذه الخصال وما يترتب عليها، وما تتطلبه من صبر وتحمل وجلد، يجد فيها حلاوته في حين لا يشعر بها الآخرون من أهل الدنيا، أو حين تكون لذتهم مقصورة على المتع الحسية، فالمؤمن بهذا يكون قد نال الحلاوتين: الحلاوة الحسية التى يشاركه فيها أهل الدنيا من متعها ولذاتها، وفاقهم في هذه الحلاوة المعنوية والراحة النفسية التى لا يحسها إلا أهل الإيمان [4] ،

(1) قال العلماء: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بطاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 14

(2) يقول الطيبى: وحلاوة الإيمان استعارة. شبهت رغبة المؤمن في إيمانه بشئ ذى حلاوة، وأثبت له لازم ذلك الشئ، وأضيف إليه على التخييلية. شرح الطيبى على المشكاة 1/ 116

(4) ظاهر الحديث على أن الإيمان على قسمين: بحلاوة وغير حلاوة, ومنه حديث: الإيمان إيمانان: إيمان بحلاوة لا يدخل صاحبه النار، وإيمان بغير حلاوة لا يخلد صاحبه في النار"فالإيمان الذى لا يدخل صاحبه النار هو ما كان بالحلاوة، والإيمان الذى لا يخلد صاحبه في النار هو ما كان بغير حلاوة, ينظر بهجة النفوس شرح مختصر البخارى 1/ 77 لابن أبى جمرة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت