فهرس الكتاب
الحلاوة، واللذة، والشفاء، ولم تأت هذه الكلمة في الحديث على حالها، بل جاءت مصغرة"عسيلة"لمناسبة المقام.
فهذه المرأة بعد طلاقها من رفاعة القرظى تزوجت من عبد الرحمان بن الزبير [1] ، وأرادت أن ترجع لزوجها الأول (رفاعة) فبين لها النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه لابد أن يدخل بها الثانى حتى تحل للأول. وعبر عن ذلك الدخول بلفظة"العسيلة"بالتصغير إشارة إلى أنه يكفى وطأة واحدة، وأن القدر القليل كاف في تحصيل الحل. إن هذه الصورة وراءها سر بلاغى آخر، وكأن النبى يريد أن يقول:"إن مخبر المرأة ومخبر الرجل كالعسلة المستودعة في ظرفها فلا يصح الحكم عليها إلا بعد الذوق منها" [2] فالدخول بالمرأة واللقاء بينها وبين زوجها له شأن آخر في أن يؤدم بينهما، ولو كان هذا الدخول للحظات قليلة كما دلت عليه لفظة"العسيلة"بالتصغير. ويبدو لى في هذا الحديث سر آخر. فاختيار العسل في هذه الصورة مقصود إليه لما له من أوصاف أخرى كالصفاء، والنقاء، واللزوجة [3] ، والحلاوة ... ، فكله منافع وفوائد [4] كذلك العسيلة المذكورة في الحديث، وهى لذة الجماع فيها منافع وفوائد من ناحية قضاء الوطر، وهدوء النفس وإعفافها، والسكن والمودة بين الرجل والمرأة، وكون المرأة لباس للرجل، والرجل لباس لها بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ ولذلك قال:"حتى تذوقى عسيلته أو يذوق عسيلتك"فالذوق هنا أمر مشترك بين الرجل والمرأة لا ينفرد به أحدهما دون الآخر. والذوق في العسل وغيره ما أدرك بحاسة، وهذا إنما يكون في المطاعم والمشارب [5]
فالتعبير عن هذه اللذة بـ"الذوق"فيه إشارة إلى الإحساس والشعور بأثر هذه اللذة كما يشعر الإنسان ويحس بلذة العسل عند ذوقه في فمه، وعلى طرف لسانه. فليتأمل في دقة التصوير في البيان النبوى، إننا نلمح في لفظة"العسيلة"المصغرة قيمة بيانية معبرة عن هذه اللذة، فحرف السين فيها مع التصغير أرى فيهما إشارة إلى الهدوء والسكينة الذين يحيطان بعملية الاتصال بين
(1) كما جاء في الرواية الثانية للبخارى في كتاب الشهادات - ح (2588) ، وفى كتاب الطلاق - ح (5069) وفى رواية لمسلم 10/ 3
(2) ينظر المجازات النبوية ص 255
(3) لزج الشئ لزجًا ولزوجة: تمطط وتمدد وكان فيه ودك يعلق باليد ونحوها، والشئ بالشئ: لزق. يقال: لزج العسل بإصبعه. واللزوجة في النطفة فيها شبه بلزوجة العسل، فهذا قدر مشترك بينهما.
(4) قال تعالى في شأن النحل: ( ... يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (النحل: 69) .
(5) فشبه صلى الله عليه وسلم لذة الجماع بذوق العسل فاستعار له ذوقًا. شرح الطيبى 6/ 372