فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 215

الرجل والمرأة، وهذا يؤكد أنه قد تستقل لفظة برسم الصورة، فهذه اللفظة تحمل إلى أذهاننا صورة عما يجب أن تكون عليه عملية الاتصال بين الرجل والمرأة بعيدًا عن العبارات الصريحة التى تثير الخجل عند الناس، ولا عجب في هذا الأدب، فلقد خرج من مشكاة النبوة!!

ومن روائع التصوير قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحسن والحسين:"هما ريحانى من الدنيا" [1] ، وما أروع عبارته - صلى الله عليه وسلم - في التعبير عن حب الحسين والحسين رضى الله عنهما. فالأولاد نعمة من أجل النعم لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها أو حرم منها [2] وأراد الحبيب - صلى الله عليه وسلم - - وهو القدوة والأسوة - أن يبين مقدار حبه للحسن والحسين ابنى فاطمة البتول رضى الله عنها، فعبر عن هذا الحب بأنهما"ريحانه من الدنيا" [3] ، واللوحة التصويرية هنا جاءت في عبارة معبرة أدق تعبير عن مقدار الرحمة [4] ، والحب في قلبه - صلى الله عليه وسلم -. فالريحان الذى جاء ذكره في الحديث فيه أكثر من سر بلاغى، وتتحدد بلاغة كل سر على حسب توجيه المعنى الذى جاء فيه.

السر الاول: إذا كان المقصود بـ"الريحان"الرزق [5] فعليه يكون المعنى هما من رزقى

وفى هذا بيان لنعمة الذرية التى هى من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يبين أن الأولاد من رزق الله لعباده لينبه كثيرًا من الناس لأهمية هذه النعمة التى لا يقدرها كثير منهم حق قدرها، وليوضح لهم أن الرزق لا ينحصر في العطاء المادى، بل يتجاوز ذلك ليشمل الذرية وغير ذلك من

(1) أخرجه البخارى من حديث ابن عمر - كتاب فضائل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم - باب مناقب الحسن والحسين رضى الله عنهما - ح (3618) - 7/ 117, وفى كتاب الأدب - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته - ح (5780) 10/ 440

(2) يقول تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) (الـ عمران: 14)

(3) قوله":"ريحانتاى: كذا للأكثر بالتثنية، ولأبى ذر"ريحانى"بالإفراد والتذكير شبههما بذلك لأن الولد يشم ويقبل ووقع في رواية جرير بن حازم"إن الحسن والحسين هما ريحانتى".

(4) فعن أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال: كان رسول الله يأخذنى فيقعدنى على فخذه، ويقعد الحسن بن على على فخذه الأخرى ثم يضمهما، ثم يقول:"اللهم ارحمهما فإنى أرحمهما"أخرجه البخارى، وفى رواية:"اللهم إنى أحبهما فأحبهما"أخرجه أحمد والبخارى. المشكاة ح (6149) 11/ 300

(5) قال ابن التين: المراد بـ"الريحان"هنا الرزق، وقال صحاحب الفائق: أى هما من رزق الله الذى رزقنيه. يقال: سبحان الله وريحانه: أى أسبح الله واسترزقه. شرح الطيبى 11/ 299, وفتح البارى 10/ 441. ومنه قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم) (الواقعة: 89,88) فالريحان هنا هو الرزق الطيب كما ذكر المفسرون. ينظر الكشاف 4/ 469, وأنوار التنزيل 8/ 151, وحاشية الشهاب 8/ 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت