فهرس الكتاب
النعم، وعليه فإذا أعطى الله العبد الذرية فلقد أعطاه رزقًا كثيرًا في الدنيا؛ لأن الولد الصالح امتداد لأبيه وأمه في الدنيا بالعمل الصالح، وهو من كسب أبيه [1] ، ومن مواهب الله له.
أما السر الثانى: إذا كان المقصود بـ"الريحان"المشموم [2] ، فالصورة هنا تختلف لأنه سيضاف إليها معان كثيرة من الرحمة والحب والقبول والضم. فالريحان من الشمامات [3] ذوات الروائح الطيبة، والرائحة الطيبة مما تميل إليه النفوس بحكم الطبيعة، وكذلك الأولاد يضمون ويشمون كما تشم الرياحين [4] ، ويقبلون. وبهذه الصورة يكون النبى صلى الله عليه قد غرس الحب والرحمة والقبول للأولاد في القلوب بأحسن الألفاظ، وأحب الأشياء إلى النفوس. فإذا كان لله عند المرء ثلاثة من الأولاد فلينظر إلى هذا الرزق الذى ساقه الله إليه، وهذه الرياحين التى زرعها في بيته حتى ملأت عليه حياته بالحب، ومن زاد أولاده عن هذا العدد زاد فضل الله عليه. إن الريحان مما ينتشر رائحته الطيبة في المكان، ويزين البيوت بخضاره، وكذلك الأولاد ينشرون الرحمة والحب والشفقة عليهم في قلوب آبائهم وأمهاتهم، ويملؤون حياتهم بالزينة، فهم من متاع الحياة الدنيا وشهواتها كما جاء في القرآن الكريم [5] ويبدو لى في قوله - صلى الله عليه وسلم:"هما ريحانى"مع الإضافة إلى ياء المتكلم سر بلاغى. فالإضافة هنا جاءت لتفيد الألفة والاجتماع، والضم، وكأنه يقول: هما جزء منى لا ينفصل عنى، وهذا مما يشير إلى القرب والحب، والإضافة قد عبرت عن هذا المعنى أدق تعبير، فما أروع التصوير هنا، وما أدق هذه الصورة المفعمة بالحب، ولينظر الناس إلى ما حولهم من الرياحين
(1) حيث يقول صلى الله عليه وسلم:"إن أولادكم هبة الله لكم (يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور) (الشورى: 49) فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليهم"أخرجه الحاكم والبيهقى من حديث عائشة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وصححه الألبانى في السلسلة الصحيحة ح (2564) 6/ 138,137. وكذلك حديث"أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه"أخرجه أبوداود من حديث عائشة. وانظره في منار السبيل 2/ 303
(2) يقال: حبانى طاقة ريحان. والمعنى أنهما مما أكرمنى الله وحبانى به لأن الأولاد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين التى أنبتها الله تعالى. شرح الطيبى 11/ 299, وفتح البارى 1/ 441
(3) أى ما يتشمم من الروائح الطيبة.
(4) ولقد أخرج الترمذى من حديث أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما. وفى رواية للطبرانى في الأوسط من طريق أبى أيوب قال: دخلت على رسول الله والحسن والحسين يلعبان بين يديه، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال:"وكيف لا، وهما ريحانتى من الدنيا أشمهما"فتح البارى 7/ 122
(5) حيث يقول تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) (ال عمران: 14)