فهرس الكتاب
التى تملأ أجواءهم، ولكنهم لا يشمونها ولا يشعرون بجمالها! إن هذه اللوحة التصويرية التى اجتمع فيها الحب والجمال إنما هى دعوة إلى الرحمة والشفقة، فالأولاد من رزق الله لعباده، ومن زينة الحياة الدنيا.
وهذا غيض من فيض مما يزخر به البيان النبوى من روائع الاستعارات، وأشير إلى بعض الأحاديث الأخرى لمن أراد التوسع في البحث. فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء تركه إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًا" [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: لما أثنى رجل على رجل عنده:"ويلك قطعت عنق أخيك"ثلاثًا"من كان مادحًا لا محالة فليقل:"أحسب فلانًا والله حسيبه إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكى على الله أحدًا" [2] "
وأنتقل إلى الحديث عن لطائف بعض الكنايات النبوية، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا جلس بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل" [3] ، وهذا الحديث من لطائف الكنايات النبوية، فالمراد بـ"الشعب الأربع"اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان، وقيل: الرجلان والشفران، واختار القاضى أن المراد شعب الفرج الأربع [4] ، فالحديث من الكناية المهذبة حيث إنه رغب عن الألفاظ الصريحة، وأتى بالكناية الواضحة، وذلك حفاظًا على جودة الأسلوب في الأداء، ومراعاة لحياء أهل العفة والحياء، وكل هذا مع وضوح المقصود وبيان المراد، وهذا دأب البيان النبوى، هو أن يرغب عن الألفاظ الصريحة التى تخدش حياء الناس، ويكنى بما يناسب المقام، ويعبر عن المقصود أتم تعبير. وقل مثل ذلك في قوله:"جهدها"، فمعناه حفزها ودفعها، أو بلغ مشقتها [5] ، فالحديث يشير - في أدب - إلى جهد
(1) أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى من حديث سمرة بن جندب. المشكاة ح (1846) 4/ 75. والكدوح: بالضم جمع كدح وهى الخدوش وكل أثر من خدش أو عض فهو كدوح. والكدح في غير هذا: السعى والحرص والعمل. أما الكدوح بفتح الكاف مبالغة مثل: صبور وهو من الكدح بمعنى الجرح.
(2) متفق عليه من حديث أبى بكرة. المشكاة ح (4828) 9/ 123,122
(3) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة - باب بيان أن الغسل يجب بالجماع - 4/ 39
(4) والشعب: النواحى واحدتها شعبة
(5) يقال: جهدته وأجهدته: بلغت مشقته