فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 215

من أجله النبى - صلى الله عليه وسلم -، ومن هنا نجد القصة النبوية خاضعة خضوعًا تامًا للغرض الدينى شأنها في ذلك شأن القصة في القرآن الكريم [1]

وسأشير في عجالة هنا إلى نماذج مختارة من القصص النبوى مبينًا في إيجاز ما يتمتع به من روعة في الأسلوب، ودقة في الأداء، مع حسن العرض، وجذب الانتباه [2] . ولنبدأ بالقصص النبوى المفصل لما أجمله القرأن في أمور الدنيا والآخرة. فمن ذلك ما ذكره النبى - صلى الله عليه وسلم - في بيان موقف من مواقف بنى إسرائيل من سجلهم الحافل بالعصيان والمخالفة لأمر الله مع التبديل والتحريف، وذلك في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 58) ، وهذه الآية جزء مما قصه الله علينا من سجل عصيانهم وعنادهم ومخالفتهم لأمره سبحانه عند دخول بيت المقدس، ولقد أجمل القرآن تفصيل الموقف، فجاء البيان النبوى لتفصيل ما أجمله القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم:"قيل لبنى إسرائيل: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ... } فدخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا، وقالوا: حبة في شعرة" [3] ، والقصة النبوية هنا مع إيجازها قد فصلت ما أجمله القرآن من هذا الموقف، فالقرآن أشار إلى التبديل في القول دون الفعل وهو زحفهم على أستاهم كما أشار إلى القول دون أن يبين ما قالوه، وهذا شأن القرآن في الإيجاز، فجاء البيان النبوى ليبين لنا حقيقة ما قالوه وما فعلوه في إيجاز دقيق. والقصة هنا من كلمات معدودة، ولكنها قد توافر فيها العناصرالأساسية للقصة من الشخصيات، والحدث، والحوار

والزمان والمكان. وتميزت هنا بقوة التركيز والتأثير، حيث إنها ركزت على المشكلة الأساسية، وهى تبديل بنى إسرائيل لما أمروا به عند دخولهم بيت المقدس. والمشكلة جزء من بناء ونسيج

(1) ينظر التصوير الفنى في القرآن في باب القصة في القرآن - ط دار الشروق - الطبعة الثانية عشرة - (1412) هـ (1992) م.

(2) أما عن تفصيل البحث في القصة النبوية فهو موجود في دراسة تفصيلية قيمة للقصص في البيان النبوى بعنوان"القصص في الحديث النبوى - دراسة فنية موضوعية"للأستاذ الدكتور / محمد حسن الزير - ط الرابعة - (1418) هـ (1997) م. فليراجعها من أراد التوسع في دراسة هذا الفن الراقى من فنون البيان النبوى. أما هنا فالبحث يشيرفى عجالة إلى أبرز خصائص البيان النبوى ككل. والقصة خصيصة من هذه الخصائص.

(3) متفق عليه - أخرجه البخارى - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدًا ... ) - ح (4298) - 8/ 14, وأخرجه مسلم - كتاب التفسير -18/ 152. ومن ذلك أيضًا: قصة موسى عليه السلام مع بنى إسرائيل في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا) (الأحزاب: 69) والحديث أخرجه البخارى في كتاب الأنبياء - ح (3292) - 6/ 502, وفى كتاب التفسير - ح (4614) - 8/ 405

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت