فهرس الكتاب
القصة. ويلمح الدقة في اختيار الألفاظ في قوله:"دخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا، وقالوا: حبة في شعرة"، ونلمح هنا دقة الوصف النبوى في بيان ما فعله بنو إسرائيل حيث دخلوا يزحفون على أستاهم، وهى هيئة مزرية. والوصف مقوم من مقومات الصورة، وهو أيضًا عنصر من عناصر النسيج في القصة، وله دوره هنا في توضيح الحدث، وبيان الصورة، وهى الاستهزاء والسخرية بالأمر!
وإلى قصة أخرى من القصص القرآنى الذى فصله البيان النبوى، ولكن مع طول في الحديث يختلف عن الحديث الماضى، وهى قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وسأنقلها بطولها ليتضح لنا منهج الأسلوب القصصى في الحديث النبوى، وكيف يوجز في بعض القصص، ويفصل في بعضها الآخر تبعًا لما يتطلبه الموقف من توضيح، ونظرًا لأهمية التفصيل في بعض المشاهد لما ينبنى عليها من معان يهدف النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ترسيخها في النفوس وتوضيحها، وذلك لما تتركه من أثر في حياتهم وسلوكهم، حيث يأخذ المسلمون منها العبرة والعظة. فلقد قال - صلى الله عليه وسلم:"إن موسى قام خطيبًا في بنى إسرائيل، فسئل: أى الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لى عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لى به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل [1] ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذى أمر الله به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا. قال: فكان للحوت"
سربًا [2] ، ولموسى وفتاه عجبًا. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغى، فارتدا على آثارهما قصصا، قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى ثوبًا، فسلم عليه
(1) المكتل: زنبيل يعمل من الخوص. جمعه: مكاتل.
(2) والسرب بالتحريك: المسلك في خفية، وحفير تحت الأرض لا منفذ له، وجحر الوحشى، والقناة الجوفاء يدخل منها الماء الحائط. وقد أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر عليهما السلام. الكشاف 2/ 684