فهرس الكتاب
ومن هنا فلقد شرطوا أن يكون الراوى على علم بما يغير المعنى أو ينقصه، وأن يكون محيطًا بمواقع الألفاظ بل شرط بعضهم أن يكون محيطًا بدقائق علم اللغة، وشرط الجمهور أن يكون عالمًا مقدار التفاوت بينها حيث يفرق بين المحتمل، وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والمحدثين [1] . فالرواية بالمعنى في رأيهم ليست سوى رخصة في حال الضرورة، ومن أجازها إنما أجاز فيما لم يدون في الكتب، أما ما دون في الكتب فلا يجوز التصرف فيه بوجه. وتدوين الحديث وقع في الصدر الأول قبل أن تفسد اللغة [2] وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فالرواية بالمعنى غالبًا تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقل أن تقع في جميع ألفاظ الحديث، وربما ذكر الراوى عقب الحديث إذا اضطر إلى الرواية بالمعنى ولم يتأكد من اللفظ لفظًا يفيد التصون والاحتياط؛ وذلك لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطورة [3] ، ولقد دلت الأخبار الصحيحة على أن الصحابة كانوا يتحرون الدقة في نقل حديث النبى - صلى الله عليه وسلم -، ويحرصون على إيراد كلامه وفق الترتيب الذى سمعوه منه، وقد كان عدد من الصحابة يكتبون الحديث في عهد النبى - صلى الله عليه وسلم -، وبدء التدوين كان في نهاية القرن الأول نفسه، وهذا يرجح أن الذى في مدونات الطبقة الأولى لفظ النبى نفسه، فإن كان هناك إبدال لفظ بمرادفه فالذى أبدله عربى فصيح يحتج بكلامه كما قلنا آنفًا. ومهما يكن من أمر الحديث فإنه أحسن حالًا من الأشعار والأبيات التى يلجأ إليها النحويون، ويملؤون بها كتبهم، وبعضها منحول، والآخر مشكوك فيه أو مجهول لا يعرف
(1) فإن لم يكن عالمًا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، لم تجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين اللفظ الذى سمعه، فإن كان عالمًا بذلك فلقد قالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول: لا تجوز إلا بلفظه، وجوز بعضهم في غير حديث النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يجوز فيه. وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع بأداء المعنى. تدريب الراوى 2/ 92,91, وقواعد التحديث ص 221 - 225
(2) ولقد وقع تدوين الحديث بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ت (101) هـ، ومن المروى في الصحيح أنه كتب إلى أهل الآفاق أن انظروا ما كان من حديث رسول الله وسنته فاجمعوه أو فاكتبوه، وأول من دون الحديث محمد بن مسلم الزهرى ت (124) هـ، والمعروف أنه كان يروى عن الصحابة مثل: عبد الله بن عمر، وانس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدى. هدى السارى ص 9,8, وقواعد التحديث ص 71,70
(3) ويرى بعض العصريين أن السبب الذى جعل العلماء يجوزون رواية الحديث بالمعنى يرجع إلى محاولة هؤلاء الرواة الدقة والضبط والإتقان في رواية الحديث، ولكنهم بشر، ولهم طاقة، والذاكرة عرضة للنسيان، فلأجل بعدهم عن الكذب في حديث رسول الله بإتيان ألفاظ من ألفاظهم ونسبتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم جوزوا الرواية بالمعنى، حتى لا يقعوا في هذا المأزق الوعر الذى يجر عليهم غضب الله ثم غضب رسوله. الاحتجاج بالحديث الشريف في الدراسات النحوية والصرفية ص 3