فهرس الكتاب
أما ما ذكره المانعون من أن المتقدمين من النحاة ومن تبعهم من المتأخرين على منع الاحتجاج بالحديث. فيجاب عليه بأن كتب النحاة من أندلسيين وغيرهم مملؤة بالاستشهاد بالحديث، وقد استدل بالحديث الصقلى، والشريف الغرناطى في شرحيهما لكتاب سيبويه، وابن الحجاج في شرح المغرب، وابن الخباز في شرح ألفية ابن معطى، وأبو الشلوبين في كثير من مسائله، وكذلك استشهد بالحديث السيرافى، والصفار في شرحيهما لكتاب سيبويه وهو مذهب ابن مالك، وابن هشام. كما أن كتب المتقدمين مترعة بالأحاديث يستشهدون بها كابن فارس، وابن جنى، وابن برى كما سبق، وكذلك استشهد بالحديث ابن الطراوة، والسهيلى، وابن خروف، والدمامينى. ويأتى بعد ذلك حجة أخرى يجب أن نتنبه إليها، وهى تتصل بطابع الحديث النبوى. فمعلوم أن كل أسلوب أدبى يحمل طابع صاحبه، وهوصورة صادقة من نفسه، فحاسة الذوق الأدبى تهدينا إلى خصوصية الأسلوب النبوى وتميزه من سائر أساليب الناس، وذلك في العناصر الأدبية من الفكرة، والصورة، والتعبير [1] ، فأحاديث نبينا - صلى الله عليه وسلم - لها سمت خاص، وميسم معين، وطابع مشتهر، ولقد ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثارًا مشتهرة في الخطبة، والرسالة، والأقصوصة، والمثل، والحديث المتبادل، والابتهال السماوى، وقد طبعت كلها بطابعه، واتسمت بميسمه، فأنت تحس روحًا واحدة تنظم هذه الآثار على اختلاف مناحيها [2]
كل هذه العوامل مجتمعة ترجح الاستشهاد بالحديث، وتضعف حجج المانعين. ومن هنا فلقد تبنى مجمع اللغة العربية بالقاهرة قرارًا بالاحتجاج بالحديث الشريف، ورأى المجمع الاحتجاج ببعض الأحاديث في أحوال خاصة مبينة فيما يأتى:
(1) فإذا كان التعبير تغير تغيرًا طفيفًا في بعض دون بعض أيكون لنا إزاء ذلك أن نرفض الاحتجاج بالحديث، ونظن بصياغته الظنون احتياطًا لهذه القلة القليلة مما تطرق إليه التبديل، ولماذا لا نرفض الاستشهاد إذن بالشعر العربى القديم، إذ أن من اليقين كل اليقين أن الوضع قد تطرق إلى بعض أبياته، وقد ظهر الانتحال واضحًا في بعض ما روى حماد وخلف، وأفاض في ذلك أئمة الأدب بما لا مجال لإنكاره. لو اتخذنا مقياس بعض المحدثين في إهمال الاستشهاد في الشعر القديم لمجرد إضافة يسيرة أو كثيرة تبرع بها بعض الرواة على ما تنوقل من القصائد والأبيات. ولكننا مع ذلك نستشهد بالشعر العربى عالمين أن حاسة الذوق الأدبى لدى الناقدين تستطيع بمهارة أن تفرق بين الأصيل والدخيل. البيان النبوى ص 41.
(2) من مصادر و مراجع الموضوع جامع بيان العلم وفضله ص 117,116, وهدى السارى ص 9,8, وتدريب الراوى 2/ 92, وقواعد التحديث ص 71,70, 221 - 225, والبيان النبوى ص 33 - 44، والحديث النبوى ص 109 - 114, والاحتجاج بالحديث الشريف في الدراسات النحوية والصرفية ص 1 - 4، ومعجم قرارات مجمع اللغة العربية.