فهرس الكتاب
فيأتى لغوى آخر، فيذكر لها وجهًا مقبولًا، أو يسوق عليها شاهدًا صحيحًا. ثم إن وجود ألفاظ غير موافقة للقواعد المتفق عليها لا يقتضى ترك الاحتجاج بالحديث جملة، وإنما يحمل أمرها على قلة ضبط أحد الرواة في هذه الألفاظ خاصة، وإذا وقع في رواية بعض الأحاديث غلط أو تصحيف فإن الأشعار يقع فيها من الغلط والتصحيف، وهى حجة من غير خلاف. وهذا اللحن الذى زعموا وقوعه في بعض الأحاديث بسبب عجمة الرواة قليل، ولا تقوم به حجة لأحد، ولا يصح أن يمنع من أجله
الاحتجاج بالحديث الصحيح، وهل يمنع عاقل الاحتجاج بالقرآن إذا لحن به بعض الناس؟ ولقد حذر العلماء من اللحن في الحديث أشد التحذير، وعد بعضهم الحديث الملحون كذبًا على النبى - صلى الله عليه وسلم - يدخل مرتكبه في هذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث الصحيح"من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". قال الأصمعى: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله - صلى الله عليه وسلم:"من كذب علىّ متعمدًا ..."الحديث لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه، وقال ابن حجر: يؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن فيه يدخل في الوعيد الشديد لأنه بلحنه كاذب عليه [1] ثم إن رواة الشعر أيضًا فيهم من الأعاجم والشعوبية أمم، على أن المسلمين في القرون الأولى كانوا أحرص على إتقان الحديث من حفظ الشعر، والتثبت في روايته، وقد قيض الله سبحانه لأحاديث رسوله من الجهابذة النقاد من نفى عنها ما كان فيها من شبهة الوضع والانتحال، وهذا حرم الشعر مثله.
ثالثًا: قولهم: إن الأئمة الأوائل الواضعين لعلم النحو لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على ذلك المتأخرون من نحاة الأقاليم إلخ. ويجاب على ذلك بأن علماء العربية في العهد الأول لم يتعاطوا رواية الحديث حتى يقفوا على ما يسعف في الاستشهاد، ثم إن دواوين الحديث لم تكن مشتهرة في ذلك العهد، ولم يتناولها علماء العربية كما كانوا يتناولون القرآن الكريم، وإنما اشتهرت دواوينه، ووصلت إلى أيدى أهل العلم من بعد، فإن سلمنا عدم احتجاجهم به فلعدم انتشاره بينهم لا لأنهم يمنعون الاحتجاج به. ولولا ذلك لاقتصروا على الاستشهاد بها دون الأشعار، وقد تلافى المتأخرون هذا فكانوا يحتجون دائمًا بالحديث. فعلماء الحديث غير علماء العربية، كما أن النحاة الأولين لم يفصحوا صراحة عن رأيهم في الاحتجاج بالحديث حتى يقطع بأنهم كانوا يرون عدم الاحتجاج بالحديث النبوى.
(1) الحديث النبوى ص 112