الذي أتاه ذات يومٍ وهو يقسم قسمًا، فقال له: يا رسول الله، اعدل. قال: «ويلك!! من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» [1] .
• وقد تجلَّت مظاهر العدل ومعالمه عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أسمى صورها، في كلِّ مجالات العدل وصوره؛ بينه وبين ربِّه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الخلق.
• فأما عدله - صلى الله عليه وسلم - فيما بينه وبين ربه عزَّ وجلَّ؛ فتجلى في أعظم صوره على الإطلاق؛ فآثر حقه تعالى على حظ نفسه؛ فقام لمولاه حتى تفطَّرت قدماه، وقدَّم رضاه سبحانه على هواه؛ فكان يرغب في الشيء ويهواه غير أنه لم يؤذن له فيه، فلا يتجاوز ما علمه عن ربِّه ومولاه إلى ما يهواه، ومن ذلك: صلاته إلى بيت المقدس، حتى أكرمه الله تعالى بما يحب ويرضى.
• وأما عدله - صلى الله عليه وسلم - مع نفسه الشريفة؛ فعاملها بالقسطاس المستقيم؛ فلم يدع لها هواها في الحصول على مناها، ولم يحرمها مما به قوامها وزكاتها وتقواها؛ كما هو هديه المعروف في زهده - صلى الله عليه وسلم - الذي قام على القسط والعدل؛ من غير إفراط في نيل لذات الدنيا ولا تفريط في تركها، وما ذلك إلا لكمال عدله مع نفسه الشريفة، وإعطائها حقها؛ الذي صدَّق عليه وأقره لها: «إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا،
(1) أخرجه البخاري (3610) ، ومسلم (1064) . من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، وقوله: (خِبتَ وخَسِرتَ) ؛ قال النووي في شرح مسلم (7/ 159) : روي بفتح التاء في (خبت وخسرت) وبضمهما فيهما، ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح: خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل؛ لكونك تبعًا ومقتديًا بمن لا يعدل. والفتح أشهر، والله أعلم.