قال: «صدقت» ، فقام إليه فأخذه بتلبيبه.
وصرخ أبو جندلٍ بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردُّونني إلى أهل الشِّرك فيفتنوني في ديني؟!!
وإنها لصرخة تهزُّ الوجدان، ولكن هيهات أن تؤدي إلى إخلال بالوفاء، من صاحب الخلق العظيم - صلى الله عليه وسلم -!!
فطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاطره، وفتح له باب الأمل والرجاء والثقة بالله، وبيَّن له أن أخلاق النبوة والإسلام ليس فيها إلا الوفاء، وليس فيها غدر أبدًا، وقال له: «يا أبا جندلٍ، اصبر واحتسب؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا؛ إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا؛ فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدًا، وإنَّا لن نغدر بهم» [1] .
• ومن وفائه - صلى الله عليه وسلم - لأعدائه أيضًا على هذا النحو؛ إرجاعه أبا بصيرٍ إليهم بعدما جاءه وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبه رجلين؛ فقالوا: العهد الَّذي جعلت لنا. فدفعة إلى الرَّجلين فخرجا به [2] .
• ومن ذلك ما يحكيه أبو رافعٍ - رضي الله عنه -، قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إنِّي والله، لا أرجع إليهم أبدًا.
(1) أخرجه أحمد (18431) ، وحسن الأرناؤوط إسناده في تعليقه على المسند (31/ 220) ، وأصله عند البخاري (2734) ، و (انفلت) : تخلص وفرد وهرب في خفية، و (لجَّت) : وجبت؛ أي فرغنا من المناقشة قبل أن يأتيك هذا. و (تلبيبه) : التلبيب: مجمع الثياب عند النحر.
(2) قصة أبي بصير عند البخاري (2734) .