وما حمله على الاستحياء إلا بالغ حيائه - صلى الله عليه وسلم - من ربِّه عزَّ وجلَّ، وإجلاله له.
• وأما حياؤه - صلى الله عليه وسلم - من أمته؛ فكان في إيثارهم بأخصِّ حقوق نفسه وأهمِّها وراحة ضميره؛ كما في قصة بنائه - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش رضي الله عنها، ومكث بعض القوم يتحدثون في بيته بعد انتهائهم من طعام العرس، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحيي منهم أن يقول لهم شيئًا، وآثر تحمل مشقة ذلك؛ إيثارًا لراحة أصحابه!!
حتى تولى الله عزَّ وجلَّ بنفسه بيان ذلك رحمة بنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ وإعظامًا لحقه، وتعليمًا لعباده ما يجب عليهم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من الأدب؛ فقال سبحانه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} . [الأحزاب: 53]
• وكان من كمال حيائه - صلى الله عليه وسلم - مع أمته؛ عدم التصريح لهم في وجوههم بما يكرهون؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه عن الرَّجل الشيء؛ لم يقل: ما بال فلانٍ يقول، ولكن يقول: «ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا» [1] .
• ومن المواقف الدالة على عظيم حيائه - صلى الله عليه وسلم - ما روته عائشة رضي الله عنها، أن امرأة سألت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كيف تغتسل من حيضتها؟ فذكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فرصةً من مسكٍ فتطهَّر بها. قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: «تطهَّري بها، سبحان الله!» واستتر. قالت عائشة: واجتذبتها إليَّ، وعرفت ما أراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ... [2] .
(1) أخرجه أبو داود (4788) ، وصححه الألباني في الصحيحة (2064) .
(2) أخرجه البخاري (314) ، ومسلم (332) .