يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم، يتضاغون، من الجوع، حتى أشرفوا على الهلاك؛ فلم ترحم قريش ضعفهم، ولم تأبه بما لهم من
حق الرَّحم-ها هي ذا تنسى هذا الجرم كلَّه؛ فتكتب إليه - صلى الله عليه وسلم - وقد أصابهم الرعب، وهاجمهم شبح الجوع؛ تستغيث به - صلى الله عليه وسلم - ليتدخل لدى ثمامة بن أثالٍ، زعيم بني حنيفة؛ ليرجع عن قراره الذي اتخذه من نفسه، بمنع تصدير القمح إلى مكة؛ وقال لهم: «والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطةٍ حتَّى يأذن فيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -» [1] .
فقدم أبو سفيان بن حربٍ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ركبٍ من قريشٍ، فسأله بالرَّحم؛ إلَّا أرسلت إلى ثمامة؛ أن يخلِّي الحمل- أي حمل الطعام-إلينا، فإنَّا قد هلكنا جوعًا، ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتب معه كتابًا إلى ثمامة؛ أن خلِّ بين قريشٍ وبين الميرة- جلب الطعام-فلمَّا جاءه الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] .
لقد أرسلوا إليه يناشدونه الرَّحم-الذي قطعوه بحربهم له وحصارهم إياه-فلم يعاملهم بالمثل؛ ويتركهم يعانون من الجوع الذي أذاقوه إياه وأصحابه، ولم يرحموا دموع امرأة أو شيخ كبير أو صراخ طفلٍ صغير، لم يفعل ذلك-وكان بمقدوره أن يفعل
(1) أخرجه البخاري (4372) ،ومسلم (1764) ن من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) انظر: البيهقي في الكبرى (17810) ،وسيرة ابن هشام (2/ 638) ، ونصب الراية لأحاديث الهداية (3/ 392 - 393) ،وأصل القصة في الصحيحين كما تقدم.