بعد أن رأينا دخول كل أمة إلى مستقرها، واستمعنا إلى خطيب أهل النار، دعونا نستمع إلى الحوار الذي وصفه رب العزة والجلال بين فريقين طالما كان التنافس في الدنيا ديدنهما، فريقًا أحبوا ما عند الله ورغبوا فيه، نشروا ما فيه خير، ونصحوا لكل أحد، لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} وصفوا بأبشع الصفات، حوربوا على جميع الأصعدة، حتى إنهم لم يسلموا من بني جلدتهم ممن يخالفونهم الفكر، ومع ذلك صبروا وصابروا، شعارهم {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، أما الفريق الآخر الذين استعجلوا نعيمهم في الدنيا، وركنوا لهذه الدنيا واطمئنوا بها، ظنوا أن الدنيا باقية لهم، وأنهم مخلدون، نسوا الله فنسيهم، اتكلوا على أنفسهم وجهدهم وفكرهم فوكلوا إليها.
الكل اتخذ دارًا له، والفاصل بينهم جدار كما هو حال الدور، لكن هذا الجدار ليس كالجدر بل هو كما وصفه رب العزة {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} ، يا للعجب، الفاصل بين الدارين المتباينتين في كل شيء جدار، يسمع بعضهم صوت بعض ليزداد حنق الكافرين، ويزداد شكر الشاكرين.