فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 30

والتدرج يكون في الكليات وفي الجزئيات فحين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن قال له: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا اطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" [1] ويكون كذلك في الجزئيات في التشريع الواحد."

ونجد التدرج في الحوار القرآني في سوق الحجج والبراهين والتدرج في ذلك ويظهر جليًا في تدرج إبراهيم عليه السلام في سوق الحجج مع قومه حيث ينتقل بهم من حال إلى حال حتى يوصلهم إلى الحقيقة الناطقة بتوحيد الله وإبطال الشرك قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [2] وهذا على وجه التسليم الجدلي مع قومه ليصل بهم إلى الإيمان بالله تعالى: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ} (2) وهو عليه السلام كان يعلم أفوله قبل ذلك لكنه التدرج في الاستدلال وبهذا أبطل عبادة الكواكب التي يعبدون، وانتقل بعدها إلى القمر {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) } ثم إلى الشمس {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } (2) فانظر إلى هذا التدرج والتسليم الجدلي والاستقراء لمعبوداتهم أبطل عبادة آلهتهم من الكواكب والقمر والشمس ثم أعلن كرهه لهن {لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ} ووصف من يعبدهن بالضلال {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} ثم تبرأ منهن {إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} وأعلن توجهه لله وسبحانه

{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } فاستدل عليه السلام بهذه الظواهر الكونية وأفولها لنفي ربوبيتها والتي يعتقدها قومه وأثبت الربوبية لله وحده متدرجًا بهم من نفي إلى نفي آخر إلى انتفاء ربوبية آلهتهم والإيمان بالله وحده.

(1) رواه البخاري كتاب الزكاة: باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ص 236، رقم الحديث 1458، ورواه مسلم كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين ص 32 رقم الحديث 123 - 31.

(2) سورة الأنعام: الآيات 76 - 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت