وانظر إلى هذا التنازل معهم عن الحقيقة القطعية إلى التسليم الجدلي باحتمال تحقيقها
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} إنه احتمال يستحق الاحتياط فماذا أخذوا لأنفسهم من وسائل الاحتياط، ويدعهم بعدئذ يفكرون ويحسبون ويتجه إلى الكون العريض يكشف عن بعض ما قدر فيه - وفي ذوات أنفسهم - من مقادير [1] .
إنه إغراء لهم بالتأمل والتفكر وطعم لهم يؤملون أن يجدوا في تأملهم ما يستندون إليه أو يحتجون به لكنهم ما إن يبدأوا في التفكر في الآفاق وفي أنفسهم حتى تظهر لهم الحقيقة القاطعة ووعد الله ما يزال قائمًا فلا زلنا نرى في كل يوم وتتجدد المكتشفات العلمية في الآفاق وفي أنفسنا ما يوقف المنصف وطالب الحقيقة على الحقيقة.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } [2] .
وتأمل هذا الاستدلال وهذا الاحتجاج القرآني بخلق السموات والأرض على خلق الإنسان ابتداءً وعلى بعثه بعد ذلك للبشر أجمعين وتأمل الفاصلة {بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} والسموات والأرض خلق عجيب هائل دقيق هذه الأرض التي نعيش عليها ويشاركنا ملايين الأجناس والأنواع ثم لا نبلغ نحن شيئًا من حجمها، ولا شيئًا من حقيقتها هذه الأرض تابع صغير من توابع الشمس وهذه الشمس واحدة من مئة مليون في المجرة الواحدة التي تتبعها شمسنا وهذه المجرد واحدة من ملايين المجرات عد الفلكيون منها حتى اليوم مئة مليون مجرة بمناظيرهم المحددة هذا الفضاء الذي تسبح فيه تلك الملايين التي لا يحصيها العد كأنها ذرات صغيرة لا
(1) في ظلال القرآن الكريم: سيد قطب، ج 5، ص 3130.
(2) سورة يس: الآيات: 77 - 83.