أضاءت له الطريق زال عنه نورها فعاد إلى الظلمة بل الظلمات وعدم الرؤية، والنار المحرقة. أو هم كمن يسير في ظلمة حالكة ومطر غزير ورعد وبرق وصواعق تصم الآذان حتى أن السائر فيه يجعل أصابعه في أذنيه خوفًا من الموت وحتى ليكاد البرق من شدته مع شدة الظلمة وسرعة التنقل بين الضوء والظلمة أن يخطف أبصارهم وهم يطلبون الخروج من هذا الموقف فكلما أضاء لهم وتبينوا الطريق خطوا وإذا أظلم عليهم توقفوا عن السير حيث لا يرون الطريق فهو كحال المنافقين الذين سمعوا الحق والقرآن وما فيه من الوعيد والزواجر وربما أصابهم شيء من الخير والغنيمة فهذا الضياء الذي يمشون فيه ولكن إذا أصابهم بلاء رجعوا عن دينهم وارتدوا كفارًا فهذا ذهاب الله بنورهم وعودتهم إلى الظلمات [1] .
وفي الرد على من زعم عدم إحياء العظام بعد أن ترم قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) } [2] .
فاستدل بالقدرة على خلق السموات والأرض على القدرة على أن يخلق مثلهم وهو الخلاق العليم.
الأصل في سوق الأدلة وبسطها التصريح والتوضيح إلا أن هناك أحوالًا يكون التلميح فيها أبلغ من التوضيح والتعريض أبلغ من التصريح.
ومن ذلك أن يكون المسؤول عنه لا فائدة في معرفته ولا أثر لإدراكه في الحياة العملية وأن الهمة ينبغي أن توجه إلى ما فيه فائدة في حياتهم كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [3] فقد سألوا عن هذه الظاهرة الكونية التي يبدو فيها القمر بدرًا ثم يصغر حتى يصبح هلالًا ويستمر حتى يعود كالعرجون القديم ثم يدور دورته ويبدأ في الزيادة ولكن
(1) انظر تفسير ابن سعدي ص 27 والحوار آدابه وضوابطه: يحيى زمزمي ص 366.
(2) سورة يس: 78 - 81.
(3) سورة البقرة: الآية: 189.