فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 494

صدر سورة السجدة: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (فصلت: 2) ، والجار متعلق بتنزيل خبر ثانٍ [1] ، وذكر صفتي العزة والحكمة للإيذان بظهور أثرهما في الكتاب، بجريان أحكامه، ونفوذ أوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع، وبابتناء جميع ما فيه على الحكم البالغة.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} تقدم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} (العنكبوت: من الآية 51) ، بالحق أي بسبب الحق وإثباته وإظهاره، أو بداعية الحق واقتضائه للإنزال، والمراد بالكتاب هو القرآن. واعلم أن التنزيل مصدر نزل [2] ، والنازل كلام الله، وهو المراد بالكتاب في الآية، ولا بد له من مُنزِّل وهو جبريل، كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} (الشعراء: 193) ، ومُنزَلٌ عليه وهو ما ذكره هنا بقوله: {إِلَيْكَ} وزمان إنزال، وقد عَيّن شهره قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: من الآية 185) ، وعين ليلته مجملة بقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (الدخان: من الآية 3) ، وعين وقتها مجملة أيضًا في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر: 1) .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (الدخان: من الآية 3) قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجومًا [3] .

(1) انظر: البحر المحيط 7/ 550، وتفسير أبي السعود 5/ 376.

(2) انظر: تفسير الثعلبي 4/ 463، وتفسير القرطبي 13/ 148.

(3) هذا الأثر نسبه السيوطي في الدر المنثور لابن مردويه 5/ 738، ووردت عدة روايات عن ابن عباس رضي الله عنهما تدل على هذا المعنى، بألفاظ متقاربة مع زيادة في بعضها ففي بعضها قال:"أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان"أخرجه الطبراني في الكبير 11/ 312 (11839) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 212:"رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات". وفي بعض الألفاظ"أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة"أخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 519 (3781) ، والبيهقي في شعب الإيمان 3/ 522 (2054) ، وهو ضعيف كما سيأتي قريبًا.

وفي بعض الألفاظ:"أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا"أخرجه النسائي في الكبرى 7/ 247 (7937) ، والحاكم في مستدركه 2/ 242 (2878) ، والطبراني في الكبير 12/ 32 (12381) ، وقال الهيثمي 7/ 212:"رواه الطبراني، والبزار باختصار، ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني: عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف". ا. هـ وقد صحّح هذه الرواية ابن حجر في فتح الباري 9/ 7، وكذلك السيوطي في الإتقان 1/ 89. وما ثبت من هذه الروايات، عن ابن عباس رضي الله عنهما، موقوفًا عليه، فلها حكم الرفع، وهي لا تنافي كون القرآن نزل من عند الله عز وجل، وأن جبريل أخذه عن الله مباشرة، قال شيخ الإسلام رحمه الله:"فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد ولا غيرهما، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرًا منه من هذا الوجه وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} . وقال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} وقال تعالى: {وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ} فإن كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبًا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله". انظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله 12/ 126، 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت