الصفحة 78 من 89

قَوْلُهُ: (وللمشركين سدرة يعكفون عندها) العكوف: هو الإقامة على الشئ في المكان، ومنه قول الخليل -عليه السلام-: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الانبياء:52] وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها، وفي حديث عمرو: (( كان يناط بها السلاح، فسميت ذَاتُ أَنْوَاطٍ وكانت تعبد من دون الله ) )،وذَاتُ أَنْوَاطٍ: اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ، أَيْ: يُعَلِّقُونَهُ بِهَا، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَأَنْوَاطُ: جَمْعِ نَوْطٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَنُوطُ [1]

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها.

قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تَنْزِيهًا وَتَعَجُّبًا (هَذَا) أي هَذَا الْقَوْلُ مِنْكُمْ والمراد تعظيم الله تعالى وتنزييه عن هذا الشرك بأي نوع كان، مما لا يجوز أن يطلب أو يقصد به غير الله وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل التكبير والتسبيح في حال التعجب تعظيمًا لله وتنزيهًا له إذا سمع من أحد ما لا يليق بالله مما فيه هضم للربوبية أو الإلهية.

(كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلًا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان. فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.

ففيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئًا يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمته ويقرهب من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلى من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور،

(1) "النهاية في غريب الحديث" (5/ 128) ،"فتح المجيد" (1/ 360) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت