بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الدورة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. ثم أما بعد
فطبتم وطاب ممشاكم، أفلحت الوجوه، وجوه طلبة العلم الذين يؤون إلى أكناف المساجد، ويحملون بين أيديهم كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ثم يحفظونه في صدورهم، كما قال ربنا عز وجل:"بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم".
والعلم يرعاكم الله ثمرته الخشية، فحيث أثمر لك ذلك فاعلم أنك طالب علم، وحيث لم تجد هذا ففتش عن قلبك، يقول الله عز وجل:"إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يُتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا".
ما الذي حمل أبدانهم على الخرور وأعينهم على الدموع وقلوبهم على الخشوع إلا شيء عقِلوه وفقهوه وقام في قلوبهم وهو العلم بالله سبحانه وتعالى بمقتضى أسمائه وصفاته.
وفي هذه الليلة الموافقة لليلة الأحد الرابع عشر من شهر ربيع الأول نستفتح هذه الدروس المباركة ضمن هذه الدورة المباركة والتي اختير لها شرح متن العقيدة الواسطية.
ومن حق مصنف هذه العقيدة أن نُلقي بعض الضوء على سيرته العطرة:
فإنه إمام فارق فيصل في جبين الإسلام، ذلكم هو شيخ الإسلام: أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني -عليه وعلى أبيه وعلى جده رحمات الله-.
هذا الإمام العظيم كان مولده: في بلاد حران بين النهرين في بلاد العراق سنة ستمائة وواحد وستين للهجرة، ثم كان من شأن أسرته أن احتملته وهو صغير إلى دمشق فرارًا من التتار الذين كان يجتاحون بلاد المشرق الإسلامي، وينشرون الرعب والقتل والهرج في كل مكان، فكان الناس يفرون من وجوههم، فخرجت هذه الأسرة سراعًا من بلاد حران متجهة صوب الشام ليس معهم إلا الكتب، أسرة علم، إذ كان أبوه عبد الحليم أحد فقهاء الحنابلة، وجده عبد السلام هو مجد الدين، المجد ابن تيمية الأكبر أحد أساطير المذهب الحنبلي، فاستقرت الأسرة في دمشق، وفيها نشأ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيت علم وديانة وصيانة، وآتاه الله تعالى من المواهب العقلية والذهنية ما بَز به الأقران ولفت إليه الأنظار، فكان يحفظ الصغيرة ويتصور المسائل ويقررها، حتى أنه وُضع له كرسي في الجامع الأموي ولما يبلغ ثمانية عشر سنة، وحضر مجلسه