الصفحة 23 من 280

المخلوقين، وبين قوم غلو في تنزيه الرب سبحانه وتعالى حتى وقعوا في التعطيل، فأهل السنة والجماعة كانوا وسطًا بين هذين الطرفين، فأثبتوا إثباتًا بلا تمثيل ونزهوا الله سبحانه تنزيهًا بلا تعطيل، نظروا فإذا القرآن العظيم مليء بالنصوص في صفة الرحمن -التي هي الثبوتية-، ونظروا إلى السنة فإذا هي كذلك فقالوا: نثبت ما أثبت الله لنفسه، وننفي ما نفاه الله عن نفسه، نصف الله بالنفي والإثبات، نثبت ما أثبت لنفسه من صفات الكمال وننفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص والعيب ومماثلة المخلوقين، هذه طريقتهم الرشيدة.

أما غيرهم: فقد وقعوا في أحد طرفي الضلالة:

-فأهل التمثيل، أو من يسمون أهل التشبيه قالوا: كل ما وجدناه في الكتاب والسنة من صفات الله فإننا نثبته لكننا ما نعهد إلا ما رأيناه بأعيننا في المخلوقات، فإذا أخبر الله تعالى بأن له سمعًا فسمعه كسمع المخلوقين، وبصرًا فبصره كبصر المخلوقين، ووجهًا فوجههه كوجه المخلوقين، ويدين فيداه كأيدي المخلوقين، تعالى الله عما يقولون علوًا عظيمًا.

-وأما أهل التعطيل فكانوا على النقيض فروا من هذه الحفرة فوقعوا في حفرة أخرى، فروا من حفرة التمثيل فوقعوا في حفرة التعطيل، فقالوا: لا يمكن أن يكون الله سميعًا ولا بصيرًا ولا عليمًا ولا حكيمًا وليس له يد ولا وجه ... ولا ولا؛ لأن هذه صفات بشر، فهؤلاء غلو في الإثبات، وهؤلاء غلو في التنزيه، فصار هؤلاء أهل التمثيل، وصار هؤلاء أهل التعطيل، وأما أهل السنة والجماعة فهم أهل الإثبات والإمرار والإقرار فقالوا: نثبت إثباتًا بلا تمثيل، وننزه الله تعالى تنزيهًا بلا تعطيل، فكل ما وصف الله تعالى به نفسه فإنه على العين والرأس، نصفه سبحانه وتعالى به؛ لأنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا من خلقه، فكيف نحيد عما وصف به نفسه، فلا شك أن هذا المنهج هو منهج السلامة، هو منهج الحكمة، هو منهج العدل، قال الشيخ رحمه الله بعد أن ذكر أن مذهبهم هو الإثبات قال -على سبيل الاحتراز-: من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إذًا إثبات أهل السنة والجماعة إثبات سلمى من محترزات أربعة، التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل، لنأخذها واحدة واحدة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التسلسل العام للمحاضرات:(3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت