ذاك كثير من الكبراء والأعيان والفقهاء والعلماء، وظل نجمه يرتفع، ويُعجب الناس بحاله، ولما رأى الشيخ رحمه الله بُعد الناس عن منهج السلف الصالح، ودخول علم الكلام في القضايا العقلية، ودخول لغط المخرفين من الصوفية في القضايا العملية هب لإحياء هذا الدين، وقام قومة صادقة لله عز وجل، فصار يُفتي ويؤلف ويرحل وينشر العلم، وقد حاز العلم بين عينيه كما قال ذلك العارفون به من أصحابه وتلامذته، فتعرض في ذات الله عز وجل لكثير من الأذى لمَا صنف بعض المصنفات، لاسيما حينما صنف الفتوى الحموية في رأس القرن السابع الهجري نحو سنة ستمائة وثمانية وتسعين وهي السنة التي ألف فيها العقيدة الواسطية أيضًا، فتعرض لمقاضاة ومناظرات وسجن وتشهير، ولكنه كان قائمًا لله وتعالى بالحق الذي يعتقده، ناصحًا لعباد الله المسلمين، حريصًا على جمع الكلمة، رادًا الناس إلى سواء الصراط، ثم بعد ذلك سعى به مخالفوه لدى السلطان في بلاد مصر، وحُمِل مخفورًا إلى بلاد مصر، إمام عالم جهبذ راسخ يُحمل مخفورًا إلى بلاد مصر؛ ليقابل السلطان بتهم عديدة يُطالب فيها خصومه بإيقاع التعزير البليغ فيه، فما أن جلس بين يدي السلطان وسمع منه حتى دُهش دهشة بالغة من علمه وعقله ووفور حكمته، وقال قد حكّمتُك في هؤلاء، يُشير إلى القضاة الذين سعوا به، فجعل يُطمأنه ويهبطه عليهم ويقول: أيها السلطان هؤلاء فقهاء الملة، وقضاة مملكتك، ولا غنى لك عنهم، فجعل يُسكن نفسه عليهم، وتلكم هي أخلاق أتباع الأنبياء، ثم إنه مكث في مصر بضع سنين، نحو سبع سنين، وهو يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، وجعل اللهُ في ذهابه إلى تلك البلاد سببًا في نشر دعوته، حتى عاد مرة أخرى إلى دمشق، وتعرض لمحنٍ أخرى، حتى كانت وفاته رحمه الله سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة، وقد ملأ الدنيا تأليفًا وفُتيا وتعليمًا، وصدر عنه طلاب أجلاء كالحافظ بن كثير، والحافظ الذهبي، وبعض أقرانه ممن انتفع به كالمزي رحمه الله وغيرهم، ولم يزل شيخ الإسلام ابن تيمية علمًا في تاريخ العقيدة الإسلامية، حتى قال الصديق حسن خان القنوجي في خبيئة الأكوان لما ذكر تسلسل الأحوال والعقائد وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قال: فصار الناس بعده إما تيمي وإما غير تيمي - فعلًا-؛ لأن الشيخ رحمه الله أتاه الله تعالى علمًا واسعًا واطلاعًا حتى قال الذهبي: حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث، ولا شك أن في هذا نوع مبالغة، ولكنه يدل على سعة اطلاعه، وإنما وَجهَ همه الأكبر لتحرير أصول الدين، وتنقيتها مما شابهها من البدع الكلامية، وذلك أن أهل الكلام غلبوا على أهل الإسلام، وانتهت إليهم الرياسات الدينية والوظائف الشرعية، فصار هؤلاء المتكلمون يتسلمون مناصب القضاء والخطابة، وصاروا أيضًا يملكون أوقاف المدارس ويقررون عقائدهم، وعامة هؤلاء على طريقة أبي الحسن الأشعري، ولا ريب أن الأشاعرة من أقرب الطوائف إلى أهل السنة، ولكنهم يُخالفون أهل السنة في كثير من المسائل تأصيلًا وتقريرًا، فقام شيخ الإسلام ابن تيمية بنصرة مذهب السلف الصالح، وألف في ذلك المؤلفات المتعددة، ومن ذلكم هذه العقيدة التي بين أيدينا العقيدة الواسطية.
هذه العقيدة أيها الأخوة سميت بهذا الاسم: نسبة إلى بلدة واسط، وواسط اسم يُطلق على نحو سبعة بلدات في