بلاد العرب، لكن واسط المقصودة ها هنا هي: واسط الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي بلدة بين البصرة والكوفة، ابتناها الحجاج زمن ولايته وأنفق فيها -كما يُقال- ما يقابل خراج العراق خمس سنوات، ولكنها لم تَعد باقية، بل هي تلول وأطلال الآن، فقدِم -كما أخبر الشيخ رحمه الله- قدِم عليهم حاجًا رجل يُقال له -أحد قضاة واسط أو بعض نواحيها- يُقال له: رضي الدين الواسطي، فذكر الشيخ ما عليه الناس من فساد العقائد والأحوال في ظل دولة التتار، وطلب منه أن يكتب له عقيدة ولأهل بيته وذويه ومن حوله، فأحاله الشيخ رحمه الله وقال: لم يزل أهل الإسلام يكتبون العقائد فارجع إلى شيء مما كتبه المتقدمون من العقائد، لكن الرجل أصر وأبى إلا أن يكتب له الشيخ، قال رحمه الله: فقعدت بعد العصر فكتبت هذه العقيدة، في جلسة واحدة كتب العقيدة الواسطية، وكان الشيخ يُسميها بهذا الاسم العقيدة الواسطية، فلما انعقد مرة مجلس لمناظرته بأمر من السلطان، وحضره نائب السلطنة في دمشق والقضاة من مختلف المذاهب الأربعة؛ لمناقشة الشيخ في عقيدته، وكانت هذه نحو سنة سبعمائة وخمسة للهجرة، فقال: إني كنت قد كتبت عقيدة قبل نحو سبع سنين فاذهبوا إلى البيت وأحضروها، قال الشيخ: فأُحضرت العقيدة الواسطية هكذا سماها، وتُليت وانفض المجلس على أنها عقيدة سنية سلفية بشهادة فقهاء المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة، وخرج الشيخ معززًا مكرمًا وفرح أتباعه بذلك.
والمقصود أيها الإخوان: أن هذا الإمام العلم إمام في الدين والعلم والعبادة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جمع اللهُ له من الفضائل والكمالات ما لم يجتمع في غيره، وقراءة سيرته متعة وتحْفِز في نفس طالب العلم الهمة العالية، فينبغي لطالب العلم أن يقرأ في سيرة الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني فيما ذكره عنه الذهبي وابن كثير وابن عبد الهادي وغيرهم ممن ترجم للشيخ، وكان من تنوع أخذه بخصال الدين وشعب الإيمان قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان إذا تسامع الناس بقدوم التتار إلى دمشق فر نائب السلطنة وأخلى البلد وبقي البلد ولا سائس له، فكان يقوم رحمه الله بنفسه وتلامذته فيكسرون الحوانيت حوانيت الخمر، ويحلقون رؤوس الصبيان ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويضبطون الأمن، ولما قدم التتار انبعث إليهم الشيخ وقام في مواجهتهم، حتى إنه ذهب في وفد إلى قازان -أحد أحفاد هولاكو- ليدفع عن دمشق أن يحل بها ما حل ببغداد من الهلكة، فقام يهز يده على السلطان ويؤنبه ويقول: أنت دعي الإسلام وأنت تفعل كذا وكذا، ويكون معك أئمة ومؤذنون وأنت تفعل كذا وكذا، والسلطان مندهش من ثبات قلبه ورباطة جأشه، حتى إن بعض أصحابه كان يقول: كنت -يعني- أتجنبه أخشى أن يُصيبني رشاش دمه، ولكن الشيخ رحمه الله لم يُبالي بذلك فعظمه السلطان أيما تعظيم، وأجاب دعوته ولم يتوجه إلى دمشق، وما إن خرج من السلطان حتى سار في ركابه أمراء التتار معتقدين فضله وبركته وشيعوه إلى أن دخل دمشق، وكان له أيضًا مواقف جهادية في حربهم وصدهم عن بلاد مصر، وكان له أيضًا مواقف جهادية ضد الروافض الباطنية في موقعة كسروان حتى استنزلهم من