-بعد أن ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ما يتعلق بصفة الكلام إجمالا أراد أن يخصص جملة من الآية لبيان ما يتعلق بالقرآن العظيم، إذ القرآن نوع من كلام الله، وليس هو كل كلام الله، بل هو نوع من كلام الله - عز وجل -، ولم يزل أهل الإسلام يقلون كما قال ربهم: القرآن كلام الله ويصفونه بأنه منزل، حتى دب المعتزلة إلى خلفاء بني العباس، وعلى وجه التحديد إلى الخليفة المأمون وزينوا له مقالته؛ لأنه كان قد تربى على بعض أساتذتهم ومنظريهم؛ فأُشرب قلبه بحب أقوالهم، ووافقهم، وظل إلى سنة مائتين وثمانية عشر وهو لا يُظهر هذه المقالة، مع أنه وَلي قبلها نحو قريب من عشرين سنة، فلما كان في ذلك العام عزم على بسط هذه المقالة وإشاعتها في الناس، وحمل القضاة، والفقهاء، والمحدثين عليها، وأمر نائبه في بغداد (إسحاق بن إبراهيم) بأن يحمل الناس على ذلك؛ فصار يأتي بالمحدثين، والفقهاء، ويستنطقهم أن القرآن مخلوق، فكثير منهم أجاب خوفًا وتَقِية، وربما وسعهم ذلك، ولكن الله - سبحانه وتعالى - عصم جملة منهم وأبوا، فأمر بحملهم إليه في طرسوس، فحمل إليه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن سجادة، ومحمد بن نوح، وغيرهم، ثم بعد ذلك وقعت أمور حتى إن المأمون تُوفي قبل أن يلقاه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فرجعوا في أثناء الطريق، ولكن الأمر استدام، فبقي الواثق على مقالته، بل كان الواثق ربما أشد إيغالًا في هذا، إذ أنه قد قتل محمد بن نصر الخزاعي بيده بالصمصامة، حينما وقع في يده وقتله لهذه المسألة كما صرح بذلك، ثم جاء من بعده المعتصم أيضًا فما زال على مقالتهم أيضًا، ودخل الإمام أحمد رحمه الله في محنة عظيمة وقف فيها موقفًا عصم الله تعالى به السنة وأهلها، بينما ضعف غيره من أهل العلم من المحدثين، وغيرهم، أما الإمام أحمد رحمه الله فقد وقف موقفًا قيل فيه: إن الله نصر هذا الدين بأبي بكر - رضي الله عنه - عام الردة، وبأحمد عام المحنة، فحفظ الله السنة بفضله ثم بفضل ثبات الإمام أحمد رحمه الله، وإبائه أن يقول مقالة المعتزلة، والناس كانوا ينظرون ما يصدر منه، فأبى أن يوافقهم وناظرهم، وجُلد حتى غشي عليه وسال منه الدم رحمه الله، وسجن عدة شهور، وبقي في بيته يُمنع حينًا من التحديث، ومن الاتصال بالناس، إلى أن كشف الله هذه المحنة حينما تولى المتوكل على الله، فنفس عن أهل السنة، وقرّب الإمام أحمد وإن كان لم يلقه، وأعاد الله تعالى الأمور إلي نصابها، والمقصود أن أهل السنة والجماعة مازالوا يقولون: القرآن كلام الله، فيعرفون القرآن بالتالي:
-القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدء وإليه يعود، تكلم الله به حقيقة، فأوحاه إلى جبريل - عليه السلام - ونزل به على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -.