وصدق ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من إثبات صفة الضحك للرب - سبحانه وتعالى -، ولم يدر بخلده، ولم يخطر بباله ما دار وخطر بباب هؤلاء المتكلمين؛ لأن المتكلمين إذا عرضت لهم هذه الصفة، أتدرون ماذا يتبادر إلى أذهنهم؟ الشفتان، والأسنان، واللهوات، ونحو ذلك، يظنون أنه لا ضحك إلا بهذه الأدوات، فهم في الواقع شبهوا أولًا؛ فعطلوا ثانيًا، أما العربي القح، المؤمن الصرف النقي الباقي على الفطرة الأصلية؛ فقد أثبت حقيقة الضحك لله - عز وجل - دون أن يتبادر إلى ذهنه معنى التكييف والتمثيل، بل أثبت لله - عز وجل - ضحك يليق به، وقال: لن نعدم خيرًا من رب يضحك، هذه علامة التفاؤل، وهو أمر مدرك ببداهة العقول، فأنت مثلًا: حينما تأتي مديرًا، أو أميرًا، أو سلطانًا فتدخل عليه فتجده يتبسم ماذا يقع في قلبك؟ تقول: أمرنا سَهُل إن شاء الله، لكن لو دخلت عليه بطلب ومعروف، ووافق ذلك وقت غضبه، وتقطيب جبينه، وعبوسه ماذا تقول في نفسك؟ فسد أمرُنا، ضاعت مُعاملتنا، فهذا أمرٌ فطري أدركه هذا الصحابي - رضي الله عنه - حينما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يثبت لربه ذلك.
• قال (حديث حسن) حديث لقيط بن عامر، أقل ما يقال عنه أنه حسن بشواهده، بل إن بن القيم رحمه الله جود إسناده، قال: إسناده جيد، وقد تضمن كثير من الأمور العقدية، وتضمن فيما تضمن إثبات صفة العجب لله - عز وجل -، فقال: (عجب ربنا) ، إذًا نثبت لله - عز وجل - العجب، وهذه الصفة بعض العلماء يثبتها في القرآن على قراءة (بل عجبتُ ويسخرون) فجعل (التاء) تاء الفاعل، ولكنها ثابتة في السنة، وردها أهل البدع وقالوا: لا يمكن أن نثبت لله العجب؟ لماذا يا قوم؟! قالوا: لأن العجب ناشئ عن جهل، والله منزه عن الجهل، فالمجاب عن شبهتهم هذه بأن العجب له داعيان:
الأول: أحيانًا يكون باعث العجب عدم العلم بالشيء، كما ذكروا.
الثاني: وأحيانًا يكون داعي العجب اجتماع أمرين لا يجتمعان عادة، وإن كان قد حصل العلم بذلك.
• فالعجب الذي أثبته الله - عز وجل - لنفسه ليس العجب الناشئ من الجهل، وإنما هو العجب الناشئ عن اجتماع أمرين لا يجتمعان عادة، ما هذان الأمرين ها هنا؟ قنوط العباد وقرب الغير، كيف ذلك؟ ينظر الله - سبحانه وتعالى - إلى عباده أزلين - أي ممحلين قنطين - قحط، وجدب، قد يبُست الأرض، وأصابهم إحباط، ويأس شديد، والله - سبحانه وتعالى - يعلم أنهم سيمطرون عما قريب، فهم قد قنطوا ولكن الفرج قريب - يعلم أن فرجهم قريب- فأنت مثلًا: حينما ترى صاحبًا لك يترقب ظهور نتيجة الامتحان، ويرى في قرارة نفسه أنه سيرسب، ثم إنك اطلعت أنت على النتيجة وعلمت أنه قد نجح، ثم أتيت إليه، وإذا به يضرب أخماسًا بأسداس وقد غلبه القنوط واليأس، وأنت ترقبه على هذا الحال وتعلم أنه قد أفلح ونجح في الاختبار، ألا يدركك ضحك وتعجب من حاله؟ بلا، تعجب من حاله، ما وجه العجب؟ لأنه اجتمع أمران لا يجتمعان عادة، فهو يشعر بالقنوط مع أن الواقع خلاف ذلك، هذا مثال تقريبي يبين لك أنه ربما يقع العجب لا عن جهل، فالعجب الذي ينزه الله - سبحانه وتعالى - عنه هو الذي يكون