الصفحة 144 من 280

من أحدكم براحلته، - تتمة الحديث - ضلت عنه في أرض فلاة - يعنى: في أرض صحراء دوية مهلكة - وعليها طعامه وشرابه، فقام يطلبها؛ لأنه لا حياة له إلا بهذه الراحلة التي تبلغه، وبالطعام والشراب الذي على ظهرها، فقام يطلبها حتى إذا أيس منها أوي إلى شجرة، ماذا يفعل؟ ينتظر الموت، فنام تحت الشجرة، فانتبه، فإذا هي قائمة على رأسه قد علق خطامها بالشجرة، ردها الله - عز وجل - إليه، وعلق خطامها بالشجرة، فأمسكها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، - قلب الجملة - لماذا قلبها؟ أخطأ من شدة الفرح أليس هذا أيها الإخوان مثالًا بديعًا لشدة الفرح؟ تصوروا فرح هذا الإنسان الذي خرج من هلكة، فرح فرحًا شديدًا أنه كتب له عمر جديد، كأنما كتب له حياة أخرى، ومع ذلك الله - عز وجل - أشد فرح بتوبة عبده من هذا براحلته، فكأن العبد آبق، كما أن الراحلة شاردة، ففرح الإنسان براحلته الشاردة أعظم من فرح الله - عز وجل - بعبده الآبق، الآبق يعنى: خرج عن طاعته فرجع إلى طاعته سبحانه، وإلا، لا خروج له عن ملكوته.

• فدل هذا الحديث دلالة صريحة على إثبات الفرح لله - عز وجل -، بل على إثبات أن فرح الله - سبحانه وتعالى - يتفاوت أيضًا لأنه قال: أشد فرحًا، وإن كان هذه المفاضلة بينه وبين العبد، لكن يدل على أن الفرح تدخله المفاضلة.

-إذًا نثبت لله - عز وجل - ما أثبت لنفسه على الوجه اللائق به، ونقول: لا يماثل فرح المخلوقين، ففرح المخلوق قد تعتريه خفة، وذهول، ونحو ذلك كما وقع للمخلوق؛ فأخطأ من شدة الفرح، أما فرح الله - عز وجل - فينزه عن كل وصف نقص.

• ثم ذكر أيضًا حديثًا متفقًا عليه في إثبات الضحك فقال: وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: (يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

• نعم يضحك الله إليهما؛ لأن هذا من أسباب الضحك، فكيف قاتل ومقتول يجتمعان في الجنة؟ فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بأن أحدهما قتل صاحبه إذ كان مشرك، ثم مَنّ الله على فتاب ودخل الإسلام؛ فقتل شهيد، فاجتمعا في الجنة إذًا هذا اجتماع القاتل والمقتول في الجنة؛ مدعاة للضحك، فلهذا يضحك الله إلى رجلين، يضحك إليهما؛ لأن هذا الضحك صادر عن رضًا عنهما معًا، كما يضحك الإنسان لمن رضي عنه، فلله للمثل الأعلى الله - سبحانه وتعالى - يضحك ضحك يليق بجلاله، وعظمته، لا يماثل ضحك المخلوقين، ولا يجوز تحريفه إلى معاني مجازي مزعومة ولهذا لما سمع نحو هذه الجملة لقيط ابن عامر - رضي الله عنه - وكان قد قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مبايعًا، جاء من جهة المنتفق من جهة العراق، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث بالحديث الذي بعده وهو وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ) جثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: لن نعدم خيرًا من رب يضحك، أرأيتم يا إخوة كيف أن الصحابة - رضي الله عنهم - على السليقة، والفطرة، لم تتلوث عقولهم بلوثات المتكلمين، وشبهات الجهمية والمعتزلة، اعتقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت