• الباب الأول: باب صفات الله
• قال: (فهم وسط في باب صفات الله - سبحانه وتعالى - بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة) قد افترق الناس في باب صفات الله - سبحانه وتعالى - إلى طرفين ووسط، فأحد الطرفين قوم غلو في التنزيل حتى سلبوا الرب - سبحانه وتعالى - صفات الكمال ونعوت الجلال، وهؤلاء هم أهل التعطيل، فزعموا أن إثبات الصفات لله - سبحانه وتعالى - يقتضي مشابهته للمخلوقين؛ فنفوها عن الله - سبحانه وتعالى - جملة وتفصيلا، وقد ذكرنا لكم في بداية هذه الدروس أن المعطلة درجات ومراتب، وأن أشد المعطلة تعطيلًا الباطنية الذين هم القرامطة، الذين قالوا بنفي النقيضين
فينفون النفي والإثبات، فيقولون: لا حي ولا ميت، لا عالم ولا جاهل.
• يليهم بعد ذلك غلاة الجهمية، الذين نفوا الأسماء والصفات.
• ثم يلهم بعد ذلك المعتزلة، وهم الذين أثبتوا الأسماء وفرغوها من دلالتها على الصفات.
• ثم يأتي بعد ذلك قوم خلّطوا، وهم الصفاتية الذين أصابتهم لوثة تعطيل، وإن كان الأصل فيهم الإثبات كالكُلابية، والأشاعرة، والماتُردية، وأتباع أبي العباس القلانسي، وأتباع الحارث بن أسد المحاسبي، ومن شابه هؤلاء، فإن هؤلاء الأصل فيهم الإثبات، ولكن شابهم تعطيل؛ بسبب عدم قدرتهم على حل بعض إشكالات المعتزلة والجهمية، إذًا هذا الطرف، طرف غلا في النفي والتنزيه.
• الطرف المقابل له: قوم غلوا في الإثبات وهم أهل التمثيل، فقالوا: الله - سبحانه وتعالى - خاطبنا بلسان عربي مبين ونحن لا نعلم من خطاب الله - عز وجل - لنا إلا ما نعهده في الموجودات؛ فينبغي أن يكون ما وصف به نفسه من جنس ما نعهده ونشاهده في المخلوقات، - تعالى الله عما يقولون علوًا عظيما - فيقولون: سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، ووجه كوجوهنا، ويد كأيدينا، ونحو ذلك، بدعوى أن الله - سبحانه وتعالى - خاطبنا بما نعقل، ونحن إنما نعقل الموجودات، فهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التمثيل.
• وأما أهل السنة والجماعة فسلموا من الورطتين؛ فأثبتوا إثبات بلا تمثيل، ونزهوا تنزيه بلا تعطيل.
• (أثبتوا إثبات بلا تمثيل) إذ يمكن الإثبات دون الوقوع في التمثيل؛ وذلك أن نثبت المعنى العام الكلي المطلق، دون أن نقيده بوصف مما هو موجود في المخلوقات والمشاهدات؛ فنثبت سمعًا، وبصرًا، وعلمًا وإرادة، وقدرة، ووجهًا، ويدًا، وعلوًا، واستواء، على الوجه اللائق به سبحانه، وهو استواء حقيقي لا إثبات لفظي كما تدعيه المفوضة، بل إثبات حقيقي، إذ السمع إدراك الأصوات، والبصر إدراك المبصرات، فأي مانع من إثبات هذا النوع على الوجه اللائق به - سبحانه وتعالى -؟ لا مانع من ذلك.