الصفحة 163 من 280

• ونزه الله تنزيه بلا تعطيل، فقالوا: نحن ننزه الله - سبحانه وتعالى - عن مماثلة المخلوقين، وتنزيهنا له سبحانه لا يقتضي التعطيل، ولا يبلغ بنا مبلغ التعطيل، بل نثبت ما أثبت لنفسه، وننزهه عن مماثلة المخلوقين، لكن هذا التنزيه لا يبلغ مبلغ التعطيل الذي وقع فيه المعتزلة والجهمية وغيرهم؛ فلهذا كان مذهبهم وسط بين هذين الطرفين، وسلموا من الغائلتين؛ وذلك أن المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، وأما الموحد فإنه يعبد الله الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، هذا أعظم أبواب الدين؛ ولهذا تأخر الخلاف فيه إلى أزمنة لاحقة؛ لأنه كان حمى منيعا، فلم يقع الخلاف في صفات الله - عز وجل - إلا بعد المائة، في نحو مائة وعشرين وما بعد ذلك ظهرت هذه المقالات، وأما غيرها فقد تقدم.

• الباب الثاني: باب أفعال الله

• قال: (وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية، والقدرية وغيرهم) نعم، أفعال الله المراد بها ما يجريه الله - سبحانه وتعالى - من أقدار، وذلك أن الناس اختلفوا في أفعال العباد، هل هي من تقدير الله - عز وجل - أم أنها خارج القدر؟ فقوم غلوا في إثبات أفعال الله - عز وجل -؛ حتى سلبوا العبد فعله وإرادته، ومشيئته، وجعلوا حركات العبد بمثابة حركات المرتعش الذي تضطرب أعضائه دون إرادة منه، جعلوه كالريشة في مهب الريح، وجعلوا ما يصدر منه من طاعات ومعاصي من جنس حفيف الأشجار، وجريان الأنهار، وغير ذلك؛ فقالوا: الله هو الفاعل حقًا، ولا فعل للعبد.

• وهؤلاء يسمون الجبرية؛ لقولهم: العبد مجبور على فعله، فلم يجعلوا للعبد مشيئة، ولا إرادة، ولا اختيار بل قالوا: العبد مجبور، مُسير، فقط، فطاعته ومعاصيه مثل موته وحياته، وصحته ومرضه، ورزقه وأجله.

• قابلهم قوم عكسوا القضية؛ فقالوا: كلا، بل العبد يخلق فعل نفسه، ولا شأن لله - عز وجل - في خلق أفعال العباد بل العبد يخلق فعل نفسه، فمنهم من قال: إن الله لن يعلم ما العباد عاملون حتى يقع منهم ذلك، فإذا كانوا يقولون هذا فمن باب أولى أنه لم يكتبه، ولم يشأه، ولم يخلقه. وهؤلاء هم غلاة القدرية.

• وقوم لطفوا القضية -أو هكذا زعموا- فقالوا: نعم قد علم وكتب، لكنه لم يشاء ولم يخلق، وسيأتي إن شاء الله في مبحث القدر.

• والمقصود أن الناس قد اختلفوا في باب أفعال الله، وانقسموا إلى طرفين ووسط، فقوم غلوا في إثبات أفعال الله حتى سلبوا العبد فعله، وهم الجبرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت