• وقوم غلوا في إثبات أفعال العباد حتى أنكروا القدر، وهم القدرية. وأيهم أسبق ظهورًا؟ القدرية، إذ أنهم ظهروا في أواخر عهد الصحابة، وأدركهم ابن عمر - رضي الله عنه -، وابن عباس - رضي الله عنه -، وغيرهما - رضي الله عنهم -، وذموهم ذم بليغا، وكان أول من قال بمذهبهم رجل يقال له مَعبد الجهني، ظهر من جهة البصرة، ونتكلم عنهم إن شاء الله في موضعهم.
• أما أهل السنة والجماعة فإنهم أثبتوا للعبد فعل، وإرادة، ومشيئة حقيقة، لكنها داخلة تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته مستدلين بقول الله - سبحانه وتعالى - (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أرأيتم بيان القرآن، ووضوحه، وفصله في القضاء، ورفع الخلاف بين الناس.
• (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) فأثبت ماذا؟ أثبت للعبد مشيئة، وفعل، مشيئة بقوله - سبحانه وتعالى - (لمن شاء) ، وفعل بقوله - سبحانه وتعالى - (يستقيم) ، ثم جعل ذلك تابع لمشيئة الله - عز وجل -، فقال - سبحانه وتعالى - (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) فالعبد يشاء، والرب يشاء، لكن لا يكون إلا ما يشاء الله - عز وجل -، فإذا وافقت مشيئة العبد مشيئة الرب مضى الأمر، وإلا حال الله - عز وجل - بينه وبينه، وسيأتي لهذا إن شاء الله مزيد بيان.
• والمقصود أن أهل السنة والجماعة لم يشططوا لأي من الطرفين، بل أثبتوا للعبد مشيئة، ولكنها مشيئة تابعة لمشيئة الله تعالى وقدره.
• الباب الثالث من أبواب الوسطية باب وعيد الله - عز وجل:
• قال الشيخ رحمه الله: وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ والْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغِيْرِهِمْ.
ما المراد بوعيد الله؟ المراد بها نصوص الوعيد، مثل: (لا يدخل الجنة قاطع) ، (من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة) في شأن الخمر، (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) ، وهكذا، يعني النصوص الواردة في وعيد عصاة الموحدين، هذا المقصود في باب وعيد الله.
• اختلف الناس في هذه النصوص إلى طرفين ووسط:
الطرف الأول: وهم أهل التساهل، والتفريط، وهم المرجئة، فقالوا: لا يهُمنكم ما تسمعوه من ذكر (ويل لمن كذا ... ) (لعن الله من فعل كذا ... ) إذا كان مؤمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لن يضره ذلك، لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وإن زنا، وإن سرق، لا يؤثر عليه ذلك، إيمانه كامل، وهو من أهل الجنة، لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، هذا هو مذهب المرجئة، وسموا بهذا الاسم وهو من الإرجاء والتأخير، ما الذي أخروه؟ أخروا العمل عن مسمى الإيمان، فجميع المرجئة على اختلاف طبقاتهم يخرجون العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون العمل داخل في حقيقة الإيمان وماهيته.