الصفحة 207 من 280

(وتؤمن الفرقة الناجية) وقد تقدم وجه كونها ناجية، وسبب تسميتها بهذا الاسم.

(وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره) قد دل على ثبوت القدر الكتاب، والسنة والإجماع، والنظر الصحيح.

-فأما الكتاب: ففي مواضع كقول الله - عز وجل: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، وقوله - عز وجل: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) ونحو هذه الآيات.

-وأما في السنة فأبْين شيء حديث جبريل - عليه السلام -، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله جبريل عن الإيمان قال - صلى الله عليه وسلم - أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

ويُلاحظ في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاد ذكر العامل بقوله - صلى الله عليه وسلم: (وتؤمن بالقدر) كما أنه - صلى الله عليه وسلم - فصل فيه ما لم يفصل في غيره، مما يدل على مزيد العناية به، فقوله: (وتؤمن) إعادة لذكر العامل الذي ذكره في مستهل هذه الأركان، قال: أن تؤمن بالله. وعطف الأربعة على الإيمان بالله، لكن لما جاء ذكر القدر قال - صلى الله عليه وسلم: وتؤمن بالقدر. ثم إنه فصّل فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم: (خيره وشره) ولم يفصل فيما سبق، لم يقل: أن تؤمن بالله، بوجوده، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأُلوهيته، وربوبيته، ونحو ذلك، لم يفصل، فهذا يدل على مزيد الاهتمام والعناية بأمر القدر.

ومن العلماء من يقول: إن الإيمان بالقدر داخل في الإيمان بالله، وأنه ليس أصلًا مستقلًا، بل هو داخل في الإيمان بالله، فلهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (وتؤمن بالقدر) هذا نوعٌ من التعقيب على ذكر الأصول الخمسة، ولهذا بعض العلماء يسمي أركان الأيمان بالأصول الخمسة، وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - يذكرها مجتمعه، لم يذكر القدر معها، تأملوا مثلًا قول الله - عز وجل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين) خمسة لم يذكر القدر معها، وربما ذكر أربعة فقال - سبحانه وتعالى: (كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) لكن القدر يذكر منفردا، فيرى بعض أهل العلم أن الأصول خمسة، وأن الإيمان بالقدر داخل في الإيمان بالله، ولكن لما كثر فيه اللغط، والاشتباه، أفرده النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر، وقد دلت السنة أيضًا بأحاديث كثيرة ستأتينا إن شاء الله في ثنايا البحث على إثبات القدر.

-وكذلك انعقد إجماع المسلمين في جيل الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - على إثبات القدر، وأن الإنسان لا يؤمن حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لو مات على ذلك ما أفلح أبدا، رُوي هذا عن الصحابة وما بعدهم، فدل على انعقاد الإجماع على إثبات الإيمان بالقدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت