الصفحة 208 من 280

-وكذلك أيضًا هو مقتضى النظر، فإنه لا يمكن أن يكون في مُلك الله ما لم يسبق به علمه - عز وجل -، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لم يُرده ويشئه سبحانه ويخلقه، فإن الله تعالى بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علما، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وخلق كل شيء، فهذا أيضًا هو مقتضى النظر-أي العقل، ولو انخرم شيء من ذلك؛ لكان هذا كلم في الربوبية، فلا يمكن أن يكون شيء ليس داخل في علم الله، ولا أن يكون شيء مخالف لمشيئة الله، ولا أن يكون شيء لم يخلقه الله، فكل هذا يقتضي النظر إثبات القدر.

• فلهذا يعتقد أهل السنة أنه لا يتحرك مُتحرك، ولا يسكن ساكن، ولا يكون شيء إلا وقد علمه الله تعالى بسابق علمه، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه، وخلقه، لا يخرمون شيء من هذه المراتب الأربعة، وهذا بيت يضم هذه المراتب الأربعة:

علم كتابة مولانا مشيئته *** وخلقه وهو إيجاد وتكوين

• وبين الشيخ رحمه الله بأن الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين، جعل الشيخ رحمه الله الإيمان بالقدر على درجتين، وسر ذلك، أن المنكرين للقدر على طبقتين: طبقة تنكر الدرجتين معًا

وطبقة تثبت الأولى وتنكر الدرجة الثانية، وأول ما ظهر إنكار القدر في أواخر عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، ففي الحديث الذي صدر به الإمام مسلم رحمه الله كتاب الإيمان في صحيحه حديث جبريل - عليه السلام - وأنه آتى بن عمر رضي الله عنهما رجلان من جهة البصرة واكتنفاه وقال أحدهما: إني ظننت أن صاحبي قد وكل الكلام إلي، وقال لابن عمر: إنه قد ظهر قِبلنا أُناس يتقفرون العلم، ويقرأون القرآن، ويزعمون أن الأمر أُنف. كيف ذلك؟ يعني يظهرون طلب العلم، وقراءة القرآن، لكنهم يعتقدون هذه العقيدة، أن الأمر مُستأنف على الله، وأن الله تعالى لا يعلم من سيطيعه، ومن سيعصيه، أمر ونهى، لكن لا يعلم من سيطيعه، ومن سيعصيه، هذا معني قولهم: الأمر أُنف. وكان أول بهذا رجل يقال له معبد الجهني، في البصرة، أظهر هذا القول، وقيل إنه أخذه عن غلام نصراني يُقال له سنسويه، أو سون، تلقى هذه المقالة عنه وجهر بها، وأشاعها، ثم أخذها عنه بعد ذلك غيلان الدمشقي، فالمهم أن هذين الرجلين شكيا إلى ابن عمر هذه المقالة التي ظهرت عندهم، فحدث بن عمر عن أبيه بحديث جبريل، والشاهد منه قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ثم إن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعد ذلك للرجلين: إن لقيتما أحد من هؤلاء فأخبراه أني بريء منه، وأنه بريء مني. تبرأ من منكر القدر، بل قد قال في بعض سياقات الحديث: والله لئن لقيت أحدهم، لأعضن بأنفه حتى ينقطع. لشدة حنقه على هؤلاء القدرية النفاة وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت