• إذًا هؤلاء القدرية النفاة، هم الغلاة ظهروا في أواخر عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، يعني قبل رأس المئة، ورد عليهم الصحابة - رضي الله عنهم - ردًا بليغًا، وأنكروا مقالتهم، وحذروا منها، وتبرأوا من قائليها، فكان أوائلهم ينكرون العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، ويقولون: الأمر أُنف مستأنف على الله، الله علم الأرزاق، والآجال ولكن لم يعمل، ولم يقدر أفعال العباد؛ فالأمر أُنف. ثم إن هذه المقالة الشنيعة خفت بعد ذلك، أو حاول المعتزلة تخفيفها؛ فصاروا يقرون بالعلم، والكتابة، وينكرون المشيئة، والخلق، فيقولون: نعم، قد علم وكتب، لكن لم يشأ، ولم يخلق، العبد يخلق فعل نفسه.
هكذا قال مقتصدوهم، أو المتأخرون منهم وهم المعتزلة، فلننظر في هاتين الدرجتين، وما تضمنته كل درجة من مرتبة؛ لأن الشيخ رحمه الله قال:
(والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين، فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون به بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي، والأرزاق، والآجال) هذه المرتبة هي مرتبة العلم، أفادنا الشيخ رحمه الله بأنه يجب على المؤمن أن يعتقد اعتقاد جازمًا بأن الله - سبحانه وتعالى - علم بجميع الكائنات، وأن علمه بها يتناول العلم الكلي، والعلم الجزئي، وأنه يتناول ما يتعلق بأفعاله -أي من الآجال، والأرزاق، وإنزال المطر، وإنبات الأرض وإضرار الضرع، والحياة، والموت-، وما يتعلق بأفعال عباده -أي من الطاعات، والمعاصي وغير ذلك- أزلًا: يعني من حيث الابتداء، وأبدا: أي من حيث الانتهاء، وذلك لأن علمه صفة ذاتية له، لا يمكن أن يطرأ عليه معلوم لم يكن قد علمه، فإن علمه محيط بكل شيء، فعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال.
• إذًا هذا هو المقام الأول الذي يجب أن يقومه المؤمن في باب القدر، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله - سبحانه وتعالى - علم بالأشياء كلها بعلمه الذي هو صفة من صفاته، وأنه علم الكليات، والجزئيات، وأنه علم الطاعات والمعاصي، والأرزاق، والآجال، وأن علمه لا يخرج عنه شيء، فلا يتحرك متحرك، ولا يَسكُن ساكن إلا وقد تعلق به علمه سبحانه الذي هو صفة من صفاته الذاتية، فمن أنكر العلم فقد كفر؛ ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: ناظروهم -أي القدرية- بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا.
وصدق رحمه الله قال: هؤلاء القدرية منكروا القدر، ناظروهم بالعلم، قولوا لهم: ما تقولون في علم الله؟ هل الله - سبحانه وتعالى - بكل شيء عليم؟ فإن قالوا: نعم، هو بكل شيء عليم. قولوا لهم: إذًا فقد علم ما العباد عاملون. وهذا دليل على أنه قد قدره عليهم، فيخصمون بذلك، وإن قالوا: كلا، لا يعلم ما العباد عاملون. قُلنا: حققنا عليكم الكفر؛ أنكم وصفتم الله بالجهل، وأنكرتم ما هو معلوم من الدين بالضرورة.