• وكما تلاحظون أن القوم طرفي نقيض، فالقدرية غلوا في إثبات أفعال العباد، حتى أنكروا قدر الله والجبرية غلوا في إثبات أفعال الله حتى سلبوا العبد قدرته ومشيئته.
• وأهل السنة والجماعة توسطوا بين هذين الطرفين، فأثبتوا للعبد مشيئة وفعلًا، وقدرة تابعة لمشيئة الله وفعلِه وتقديره، لم يجعلوا العبد مستقلًا بذلك، ولم يسلبوه أيضًا هذا الفعل، ويجمع هذا الاعتقاد قول الله - سبحانه وتعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) [التكوير/28] فدلت هذه الآية على إثبات مشيئة العبد.
وقوله - عز وجل: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير/29] دلت على أن مشيئة العبد محكومة بمشيئة الله تعالى، فكان مذهب أهل السنة والجماعة وسط في هذا الباب، فهم أخذوا الصواب الذي عند القدرية، والصواب الذي عند الجبرية، وتخلصوا من الخطأ الذي عند القدرية، والخطأ الذي عند الجبرية
-ما الصواب الذي عند القدرية؟ إثبات أفعال العباد.
-ما الخطأ الذي عند القدرية؟ إنكار قدر الله.
-ما الصواب الذي عند الجبرية؟ إثبات قدر الله.
-وما الخطأ الذي عندهم. نفي فعل العباد، وإرادتهم، ومشيئتهم
فأهل السنة والجماعة هُدوا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، فأخذوا الحق الذي عند هؤلاء، والحق الذي عند هؤلاء ونفوا الباطل الذي عند هؤلاء، والباطل الذي عند هؤلاء؛ فجاء اعتقادهم موافقًا لمراد الله - عز وجل - في كتابه، ولما دل عليه حديث نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يضربوا كتاب الله - عز وجل - بعضه ببعض.
-هؤلاء أرادوا الفرار من وصف الله بالظلم، فوقعوا في وصف الله بالجهل والعجز -أعني القدرية.
-وأما الجبرية فأرادوا تنزيه الله عن الجهل والعجز، فوقعوا في وصف الله تعالى بالظلم.
-وأما أهل السنة والجماعة فأثبتوا القدر على وجه لا يقع فيه وصف لله - سبحانه وتعالى - لا بالظلم، ولا بالجهل، ولا بالعجز، كما سيتبين إن شاء الله في القراءات القادمة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.