شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج شيء عن خلقه- قال: ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته) أراد أن يقطع بذلك إشكالًا أو تضاربًا وهمي يقع في بعض العقول، فقد يقول قائل: كيف يستقيم الإيمان بالقدر، وأن كل شيء بقدر، مع الأمر بالطاعة
والنهي عن المعصية، إذا كان كل شيء بقدر، فكيف أمرهم، ونهاهم وهو قد قدر عليهم؟ ولا شك أن هذه الشبهة هي الشبهة القديمة التي خاض فيها أُناس قبل الإسلام من أهل الملل السابقة، وامتدت إلى المعتزلة، والقدرية.
والجواب عنها يسير بحمد الله، وهو: أن الله - سبحانه وتعالى - قد قدر على العباد مقاديرهم، وأخفى ذلك عنهم وأعطاهم الإرادة الحقيقية، والفعل الحقيقي الذي به يتمكنون من الفعل، والترك، ووعدهم على الطاعة بالجنة وتوعدهم على المعصية بالنار، وقال: اعملوا. فمن باشر الطاعة أو المعصية فقد باشرها بمحض إرادته وسبق إصراره، وكان بذلك مستحقًا للوعد أو الوعيد.
فلا حجة لهؤلاء في إثبات الشرع على إنكار القدر، ولهذا اعلموا أن الناس انقسموا في العلاقة ما بين الشرع والقدر إلى أربعة أقسام:
الأول: قسم أثبت القدر، وأنكر الشرع.
الثاني: قسم عكَس: أثبت الشرع وأنكر القدر.
الثالث: قسم أثبت الشرع والقدر لكن على وجه متناقض، يعني زعمَ أنهما متناقضان.
الرابع: قسم أثبت الشرع والقدر على وجه لا تناقض فيه.
فالأولون: المشركية، والفريق الثاني: المجوسية، والثالث: الإبليسية، والرابع: أهل الحق، وبيان ذلك كما يلي:
-أما الذين أثبتوا القدر وأنكروا الشرع، فهؤلاء كحال المشركين، الذين قال الله - سبحانه وتعالى - عنهم (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) فهؤلاء أثبتوا قدر الله السابق، وقالوا في مواضع أُخر: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) إذًا هم مقرون بالقدر السابق، مثبتون له مثبتون لعلم الله - عز وجل -، ولخلقه للأشياء، ولإرادته النافذة، لكنهم رأوا أنه لا يلزمهم شرع (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) فقد أثبتوا القدر وأنكروا الشرع، هؤلاء يقال لهم: مشركية؛
من يقابلهم في هذه الأمة؟ الجبرية الغلاة، الذين يزعمون أن العبد ليس له إرادة، ولا فعل، ولا اختيار ولا