قدرة، وأنه كالريشة في مهب الريح، وأن أفعاله اضطرارية، فهؤلاء هم الجبرية الغلاة الذين هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي، ولذلك جمع هؤلاء ثلاث صفات خبيثات، ما هم؟ التجهم والجبر، والإرجاء.
• التجهم: حيث أنكرو الصفات.
• الجبر: حيث أنكروا فعل العبد، وإرادته.
• الإرجاء: حيث أخروا العمل عن مسمى الإيمان.
-الصنف الثاني هم المجوسية: وهم الذين أثبتوا الشرع، وقالوا: لا بد من فعل الطاعات، وترك المحرمات، والعبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ولا شأن لله - سبحانه وتعالى - بخلق أفعال العباد.
هؤلاء يقال لهم: المجوسية، وسبب تسميتهم بهذا الاسم: أنهم شابهوا المجوس، فالمجوس أمة أثبتت خالقين، بخلاف جميع الأمم والملل، فإن بني آدم كلهم مطبقون على إثبات خالق واحد هو الله - عز وجل -، أما المجوس فقالوا بخالقين: إله النور يخلق الخير، وإله الظلمة يخلق الشر. مع أن القوم يرون أن إله النور أعلى من إله الظلمة، وأن الظلمة مُحدثة، والنور قديم، إلى غير ذلك، لكن المقصود أنهم أثبتوا خالقًا مع الله، فجعوا الخالق اثنين، إله النور، وإله الظلمة، ويشابه المجوس في هذه الأمة القدرية، لأن القدرية يثبتون الشرع ويلزمون بفعل الأوامر، وترك النواهي بل ويشددون في ذلك، ولذلك نسميهم وعيدية وأنكروا القدر السابق، أنكروا أن يكون الله - عز وجل - قد شاء أفعال العباد، وعلمها، وقدرها، وكتبها، وخلقها
• إذًا ما وجه تسميتهم بالمجوسية؟ لأنهم في الواقع أثبتوا خالقين مع الله - عز وجل -، فعندهم كل إنسان يخلق فعل نفسه، فلذلك وصموا بهذا اللقب"المجوسية"، وسيأتينا الحديث المروي (القدرية مجوس هذه الأمة) .
-أما الفرقة الثالثة فهم: الإبليسية، نسبة إلى شيخهم إبليس؛ لأن إبليس أقر بالشرع والقدر معًا، لكن على وجه زعم أنه متناقض، تأملوا قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) فإبليس كان مقرًا بالقدر (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) وكان مقرًا بالشرع يرى أن لله عليه أن يُطيعه، ولهذا قيل: إن إبليس ما بلغ مصاف الملائكة إلا لكثرة عبادته، وإلا فهو من الجن وليس من الملائكة قال الله - عز وجل: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) مع أنه قال في صدر الآية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فتبين أن هذا الاستثناء ليس استثناءً متصلًا بل منقطعًا؛ لأن إبليس ليس من جنس الملائكة، فهو كان مقرًا بالشرع مقرًا بالقدر، لكنه رأى أن هذا تناقض، وأن هذا لا يليق، وكيف أسجد لمن خلقت طينا؟ فطعن في شرع الله - عز وجل -، هؤلاء يقال لهم: إبليسية، والواقع أن هؤلاء