فوق ذلك، فوق سلامة القلوب والألسنة الواجب محبتهم، والتراضي عليهم - رضي الله عنهم - وإحسان الظن بهم، ومعرفة منازلهم، كما سيذكر الشيخ لاحقا، لكن الشيخ رحمه الله بداء كما يقال: بالتخلية قبل التحلية.
• والصحابي أو الصاحب هو: من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به ومات على ذلك. هذا حد الصحابي، وزاد بعضهم: من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته. وذلك لتخرج صورة واحدة، رجل قدم المدينة يوم وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -
و رءاه بعيني رأسه مُسجى بعد أن مات، فهذا لا يثبت له وصف الصحبة.
• إذًا لا بد من اللقيا، وهذا أحسن من أن نقول: من رأي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن الأعمى لا تحصل له رؤيا، لكن نقول: من لقي أو من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به، فلو قدر أنه حصلت اللقيا قبل أن يسلم، ثم لم يؤمن إلا بعد أن فارقه، فهذا لا يثبت له وصف الصحبة، لا بد أن يلقاه مؤمنًا، وقد وقع هذا لكثير ممن لقيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموسم وعرض نفسه عليهم، ثم انفضوا عنه دون إيمان، ثم اسلموا فيما بعد، فلا يكونون في عداد الصحابة.
• أيضًا قيد أخر وهو قوله: (ومات على ذلك) فلو مات والعياذ بالله على ردة فإن وصف الصحبة يزول عنه، حتى لو لقيه مؤمنًا به، لكن ماذا لو تخلل ذلك ردة، ومات مؤمنًا، هل يبقى له وصف الصحبة أم يرتفع؟ القول الصحيح: أنه يبقى له وصف الصحبة ويرجع إليه، وتُشبه هذه المسألة الأصلية مسألة فرعية وهي: لو أن إنسان أدى الحج، ثم ارتد، ثم عاد على الإسلام هل يتوجب عليه الحج من جديد أم لا؟ القول الصحيح في هذه المسألة: أن حجه الأول يكفيه، وأنه لا يلزمه أن ينشأ حج جديدًا إلا أن يتنفل.
• استدل الشيخ رحمه الله تعالى بوصف الله تعالى لأهل السنة والجماعة بآية وحديث، أما الآية فقول الله - سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) من بعد من؟ من بعد المهاجرين والأنصار، من بعد المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا، والأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل فثلث بالتابعين فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) هكذا أهل الإيمان، كل جيل يستغفر لمن بعده، بخلاف أهل النار الذين قال الله - سبحانه وتعالى - في شأنهم (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) ولهذا قيل: لو قيل لليهود من خير ملتكم؟ لقالوا: أصحاب موسى - عليه السلام -. ولو قيل للنصارى من خير ملتكم؟ لقالوا: أصحاب عيسى - عليه السلام -، ولو قيل للرافضة من شر ملتكم؟ لقالوا: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. وذلك أنهم قوم منكوسون، قلبوا الأمور والعياذ بالله، فأهل السنة والجماعة الذين هم التابعون وتابعوهم يقولون (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) التابعون بينهم وبين الصحابة أخوة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة: (وددنا لو أننا رأينا إخواننا، فقال الصحابة - رضي الله عنهم: يا رسول الله أولسنا إخوانك؟ قال - صلى الله عليه وسلم: بل أنتم أصحابي. -يعني إخوانه وزيادة- ولكن إخواننا قوم يأتون بعدنا) فهذه هي الأخوة الإيمانية التي تجمع الزمان، والمكان والجيل، والقبيل، بهذا الرابط العظيم رابط الإيمان.