• وَقَوْلُهُ: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: 54] . كتب بمعنى: حكم، وهذه الكتابة كتابة كونية وهو مما كتب الله على نفسه سبحانه وبحمده، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح"إن الله كتب كتابًا فهو عنده سبحانه، إن رحمتي سبقت غضبي"
-إذًا الله - سبحانه وتعالى - قد كتب على نفسه لم يُلزمه غيره، بل هو منة وتفضلا؛ كتب على نفسه الرحمة، فلله الحمد أن ربنا رحمان رحيم، حتى نتعلق بهذا الاسم الشريف، فتنفتح لنا أبواب الرجاء.
• ثم استدل بقول الله تعالى: (ِوَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107] . وقد تقدم معنى الغفور والرحيم.
• واستدل بقول الله تعالى فيما حكاه عن يعقوب - عليه السلام - (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64] .
• (خير حافظ) فهو الحافظ سبحانه الذي يحفظ عبده"احفظ الله يحفظك"يحفظهُ في نفسه، يحفظهُ في أهله، يحفظهُ في ماله، يحفظهُ في دينه، الله - سبحانه وتعالى - هو الحفيظ، وهو الحافظ.
• (وهو أرحم الراحمين) إذًا له الرحمة المطلقة، له المثل الأعلى.
-إذًا هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، إثبات صفة الرحمة لله - سبحانه وتعالى - صفة حقيقية تليق بجلاله، وقد أنكر هذه الصفة الأشاعرة ومن وافقهم، وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بالرحمة الحقيقية. لما يا قوم؟!
قالوا: لأن الرحمة رقة في القلب، وانكسار في النفس، وهذا يُنزه الله - سبحانه وتعالى - عنه.
قلنا لهم: إن هذه الرحمة التي وصفتموها، رحمة من؟ رحمة الآدمي، ليست رحمة الخالق - سبحانه وتعالى -، فأنتم وقع في نفوسكم التمثيل؛ ففررتم من التمثيل إلى التعطيل، هذه حقيقة الأمر، ولو أنكم أوردتم النصوص إيرادًا صحيحًا لأدركتم منها ما أدركه الصحابة - رضي الله عنهم -، وهو أن لله تعالى رحمة تليق به، فأصحاب نبينا - صلى الله عليه وسلم - حينما تلى عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيات لم يقشعر جلد أحد منهم، ولم يقل: كيف؟ الله تدركه الرحمة؟ هل الله يدركه المحبة؟ ولم يتبادر إلى أذهانهم ما تبادر إلى أذهانكم، لكن لما كانت قلوبكم ملتاثة بالشبهات الفاسدة والمقدمات الباطلة؛ وقع في نفوسكم هذا المعني، وإلا فإن الصحابة - رضي الله عنهم - كلما سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفًا لله - عز وجل - آمنوا به على وجه التنزيل، ففي حديث لَقيط بن عامر بن المنتفق أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع منه حديثًا طويلا، فكان مما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يضحك ربنا لقنوط عباده وقُرب غِيره فجثى على ركبتيه وقال: يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: نعم، قال - رضي الله عنه: لن نعدم خيرًا من رب يضحك"لم يتبادر إلى ذهن هذا الصحابي ما تبادر إلى هؤلاء المتأخرين، إذ هم لا يفهمون من الضحك إلا: الشفتين، والأسنان، واللهوات، وغير ذلك، لما التاثت