الصفحة 8 من 280

كره المشركون"، وفي الآية الأخرى كما ساق الشيخ:"وكفى بالله شهيدًا"، واعلموا أن الظهور نوعان: ظهور بالحجة والبرهان، وظهور بالسيف والسنان، فأيهما أراد الشيخ؟"

• الظهور بالحجة والبرهان: أي أن دين الله سبحانه وتعالى لا يدانيه ولا يُقاربه دين ولا ملة ولا فكرة ولا اتجاه ولا تيار مهما بلغ وذلك؛ لأن دين الله عز وجل يُصدق بعضه بعضًا، متسم بالشمول، متسم بالعدل، متسم بالربانية، متسم بالتوازن،"فارجع البصر هل ترى من فطور"، لا والله، ليس فيه خلل ولا تفاوت، يذعن عقلاء البشر حينما يقفون على أعتاب الإسلام، يدركون أنه من عند الله، أنه من لدن حكيم خبير؛ ولذلك لا يمكن لأي ملة من بقايا الديانات -يعني- المحرفة، ولا من هذه الملل الأرضية الوثنية المضحكة، ولا من الاتجاهات الفكرية القاصرة أن تُقارب الإسلام أو تُدانيه، فالظهور بالحجة والبرهان ظهور مستديم لا يتخلف أبدًا.

• وأما الظهور الثاني: فهو بالسيف والسنان أي بمعنى: أن حملته يكون لهم الظهور على العالمين، قال الله عز وجل:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا"، فأي الظهورين أراد الله تعالى؟ كلاهما، وكلاهما تحقق، فأما الظهور بالحجة والبرهان فقد أسلفنا القول فيه، وأما الظهور بالسيف والسنان فقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده، وظهر دين الإسلام بالسيف والسنان على سائر الأديان، فما تُوفي رسول الله ? إلا وقد استوسقت جزيرة العرب إسلاما، ثم جاءت من بعده خلفاءه الراشدون، فما أن فرغ أبو بكر ? من إخماد حرب المرتدين حتى بعث الجيوش إلى أطراف الشام والعراق، وجاء بعده عبقري ما رأى رسول الله ? من يثري ثريا وهو عمر بن الخطاب ? ففتح الأمصار ودون الدواوين، وانزاحت جنود المسلمين في بلاد الشام والعراق وأطراف خراسان ومصر، ثم جاء بعده الخليفة الراشد ذو النورين عثمان ? فبلغت جيوش المسلمين بلاد السند والهند وبلغت إلى ضفاف الأطلسي، ومازال أمر الإسلام في تقدم وامتداد حتى طبَّق الإسلام الأرض المعمورة، فعلى رأس مائة سنة من وفاة النبي ? كان المسلمون قد بلغوا شرقًا بلاد الصين، وبلغوا غربًا ضفاف الأطلسي، بل فتحوا بلاد الأندلس، وقفزوا جبال البرانس التي تفصل بين بلاد الأندلس وفرنسا التي كانت تُسمى ببلاد الغال، وتوغلوا في بلاد الغال وباتوا قريبين من باريس، وتغلغلوا إلى وسط أفريقيا جنوبًا، واستولوا على هضبة الأناضول شمالًا، كل ذلك في القرن الذهبي الحقيقي وهو قرن النبوة والصحابة رضوان الله عليهم، قرن الخلفاء الراشدين، المائة الأولى أفضل مائة في هذه الأمة، ذلكم هو القرن الذهبي لا زمن المأمون كما يدعي المعتزلة وأذنابهم، فصدق الله عبده ونصر جنده وأظهر دينه سبحانه وبحمده، قال الشاعر:

* كيف لا أذكر أجدادًا لهم ... صولة الإعصار عند الغضب

* وملوك الصين تُهدي تُربها ... لفَتَانا في صحاف الذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت