الصفحة 94 من 280

التامة لكل ما يطرأ على قلبه من خطرات، ويجد أن همه وجهده في هذه الدنيا أنه يسير في طريق واحد، فمن عرف الله - سبحانه وتعالى - ووحده بربوبيته، ووحده بإلوهيته، فصرف العبادة له وحده، ووحده في أسمائه وصفاته؛ فلم يرى أن أحدًا يماثله في شيء مما أثبت لنفسه حصلت له هذه الثمرات وهذه المزايا، إن التوحيد ليس مثلًا يُستشرح لكنه حقيقةٌ تقوم في القلب يُعبر عنها بِمِثل هذه الكلمات، ويجب أن يكون حرص طالب العلم على تحقيقها في القلب أعظم من إثباتها في السطور والدفاتر، فهي حياة ًمعاشة تصبغ الدنيا بأكملها، وتُسلم إلي الآخرة، فلهذا قال الله - عز وجل - على لسان إبراهيم - عليه السلام - (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) - [الشعراء] ، العبرة بهذه القلب (بقلب سليم) ، قال ابن القيم رحمه الله: هو القلب الذي سلِم من كل شبهة تُخالف خبر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فاجتمع الإيمان العلمي، والإيمان العملي في هذا القلب الموحد.

ومن هذا ما ندرسه في هذه العقيدة العظيمة من إثبات صفات الرب - سبحانه وتعالى -، فحري بنا أن نتمعن في معانيها الأصلية قبل أن نتشاغل في الرد على المخالفين، فإنّ اشتغالنا بالرد على المخالفين إنما هو من باب الضرورة، ولولا أنهم قالوا ما قالوا وشاغبوا ما شاغبوا ما ضيعنا الأوقات في الرد عليهم، ولكن الأصل هو أن نفقه خطاب الله - عز وجل - ونحقق مراده منا في هذا الأمر وتبقي هذه الردود على المخالفين المغالطين هوامش وحواشي على هذه المسألة العظيمة.

قال المصنف رحمه الله:

• وَقَوْلُه ُ: - (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) - [الرعد/13]

• وَقَوْلُه ُ: - (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) - [آل عمران/54] .

• وَقَوْلُهُ: - (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) - [النمل/50] .

• وَقَوْلُهُ: - (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا) - [الطارق 15/ 16] .

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن هذه الطائفة من الآيات طائفة ذات دلالة خاصة، وهي تتعلق بجملة من الصفات الفعلية لله - عز وجل - إلا أنها صفات لا يجوز أن يُشتق منها أسماء لله - سبحانه وتعالى -، وذلك لانقسام دلالتها في أصل الوضع إلى محمود ومذموم كما سنبين فيما يلي:

• قال رحمه الله: وَقَوْلُهُ: - (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) - [الرعد/13] ، المحل هو: شدة الكيد، فتضمنت الآية إثبات الكيد لله - سبحانه وتعالى - بل وشدته، والمحل والكيد ومثله المكر هو إيصال العقوبة أو الألم بطريق خفي، يدل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت