الصفحة 95 من 280

معنى عام مشترك وهو: إيصال العقوبة أو الأذى أو الألم إلي الغير بطريق خفي، وينقسم إلى قسمين محمودٌ، ومذموم فالمحل والكيد والمكر منه ما يكون محمود ومنه ما يكون مذموما.

• فإذا كان هذا الإيصال إلى مستحقه، كان محمودًا.

• وإذا كان إلى غير مستحقه، كان مذمومًا.

-ويمكن أن نبين هذا بمثال: حينما يقوم إنسان بالحيلة على الناس وأخذ أموالهم بالباطل، كأن يغريهم بالأرباح ويجمع أموالهم ثم يذهب بها. حينئذٍ نقول عن هذا الإنسان أنه ماكر ومحتال، مكرهُ هنا مذموم؛ لأنه أوصل الأذى إلي غيره بطريقة خفية غير مباشرة، أوهمهم خلاف الظاهر، فكان مكره مذمومًا وكيده مذمومًا.

-حينما انتدب له رجلٌ من الشرطة الجنائية، وصنع له فخًا وأغراه بأن يلتقي به ليدفع إليه مالًا، كما يصنعوا مثلًا مع مروجو المخدرات وغير ذلك، ثم أوقع به وقبض عليه، هكذا يكون أوصل إليه الأذى بطريقٍ خفي، فعله ذاك محمود؛ لأنه أوصله إلى مستحقه.

-فلله المثل الأعلى، المكر الذي يضاف إلى الله، والكيد الذي يضاف إلي الله - عز وجل - والمحل إنما هو من القسم المحمود الذي يستدرج الله - سبحانه وتعالى - به هؤلاء، فيوقعهم في مغبة أعمالهم من حيث لا يشعرون فيكون مكرًا حقيقةً، وكيدًا حقيقةً، لكنه محمود، كمال في قوله - سبحانه وتعالى - (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران/54] ، أي من جاء بعد عيسي - عليه السلام - وأعدائه من اليهود وغير ذلك، مكروا ومكر الله، والله خير الماكرين، فالله سبحانه وبحمده أضاف المكر إلى نفسه فلا غرو أن ننسبه إلي الله - سبحانه وتعالى - وأن نقول كما قال عن نفسه (والله خير الماكرين) ، فمكره سبحانه محمود، ولكن هذه الأوصاف لما كانت مدلولاتها تنقسم إلي محمود ومذموم لم يجز إطلاقها أو ذكرها منسوبة إلى الله على سبيل الإطلاق خوفًا من أن يسبق إلي الذهن المعنى المذموم، ولهذا لم يشتق منها أسماء حُسنى فليس من أسماء الله الماكر، وليس من أسماء الله الكائد، ولا تُذكر إلا على سبيل المقابلة، فيقول: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ، ويقول:- (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا) -

ومثلها - (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (يَسْتَهْزِئُونَ) - (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) -، وما أشبه هذا من الآيات فإنها تذكر على سبيل المقابلة، والسبب في ذلك هو: أن مدلولاتها تنقسم إلى محمود ومذموم فدفعًا للتوهم الباطل لم يجز أن يُشتق منها أسماء حسنى، ولم يجز أن تساق إلا على سبيل المقابلة.

• قال رحمه الله: وَقَوْلُهُ: - (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) - [النمل/50] . هذه الآية ذكرها الله - سبحانه وتعالى - لما ذكر قال - (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت