فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 68

كلام ابن القيم رحمه الله تعالى المذكور آنفًا فيه دلالة على أنّ أهل السنة يزنون الأمور بميزان العلم، لا بميزان العواطف الكاذبة، والشبهات الزائفة، فإنه من المتفق عليه بين أهل العلم أن لكل فعل من أفعال الناس حكم شرعي، وأنّ أهل العلم يجب عليهم أن يبينوا للناس حكم الله تعالى في أفعالهم، وأن يتناولوها بالبحث والدراسة، وإن كان في ذلك ما يستحيى منه في العادة، لأنّ الله لا يستحيي من الحق كما في السنة، والله تعالى في كتابه تحدث عن أفعال قوم لوط، فقال تعالى {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} ، وقال {إئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} ، وليس الاكرنبج وشبهه بأقبح من فعل قوم لوط، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفصل المسائل التي يستقبحها من الناس تفصيلًا، فقال: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ، وقال: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) ، وفي حديث عائشة عند البخاري: (جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت كنت عند رفاعة فطلقني فبَتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، قالت: وأبو بكر عنده وخالد بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر ألا تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي حديث أنس: (جاءت أم سليم وهي جدة إسحاق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: وعائشة عنده: يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك فقال لعائشة بل أنت فتربت يمينك نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذاك) 0

فانظر كيف شنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة عندما عابت فعل أم سليم، وبين أنّ ذلك هو الواجب، لأنّ الأمر دين، وليس يتعبد الله بالجهل، ومن لم يسأل لم يعلم، ومن لم يعلم عبد الله وهو جاهل، ومن كان هذا شأنه فهو على شفى هلكة، ولذلك كانت عائشة تقول: (رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) ، ومما يبين شدة حياء نساء الأنصار ما جاء في حديث عائشة: أنها (ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفًا وقالت لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز فشققنهن فاتخذنه خمرًا) ، وعن أم سلمة قالت: (لما نزلت يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهن الغربان من الأكسية) ، فإن كان مجرد ذكر هذه الأمور في كتب الدين قبيح، فالطعن في كتاب الله أولى من الطعن في كتاب ابن القيم، والطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى من الطعن في شيخ الإسلام، وإن كانت المسألة إنما هي طعن في ابن القيم بسبب إيراد قول من يبيحها للضرورة، فهو طعن من جاهل بليد غبي مغرض، فلا يلتفت إليه، فقد أباح الله تعالى ما هو أشد من ذلك للمضطر: أباح أكل الميتة وشرب الخمر وغيرَها كما في قوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت