الصفحة 41 من 71

تقديره: ثم أَتى موضع التعريف، فحذف المضاف، وأَقام المضاف إِليه مقامه. والمُعَرَّفُ في الأَصل: موضع التعريف، ويكون بمعنى المفعول [1] .

وقد يُطلق (التعريف) على اجتماع الناس في البلدان بعد العصر من يوم عرفة؛ وفيه خلاف بين السلف، فاستحبَّه بعضهم، وكرهه بعضهم، كما ذكر ذلك النووي في"المجموع". وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل عنه، فقال: أرجو أنه لا بأس به، قد فعله غير واحد [2] .

يُقصد بهذا المصطلح: الذهاب بالهدي إلى عرفات؛ وقد يُقصد به تشهيره بالتقليد [3] ؛ أي: وضع قلادة على الهدي، ليُعلم أنه قربة إلى الله تعالى؛ وقد وردت بذلك آثار، من ذلك ما رُوي عن عطاء قال: (عرَّف رسول - صلى الله عليه وسلم - بالبُدن التي كان أهدى) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (لا هدي إلا ما قُلِّد وأُشعر ووُقف به بعرفة) وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (من شاء عرَّف، ومن شاء لم يعرِّف، إنما كانوا يعرفون مخافة السرق) وعن الحسن في رجل ترك بدنته بمنى فلم يُعرِّف بها، قال: (يجزيه، وكان يعجبه أن يعرَّف بها) [4] .

وتعريف الهدي سُنَّة عند الشافعية، وعند مالك مستحب، إلا أنه ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يدخله من الحِلِّ، فإن عليه أن يقفه بعرفة، وإن لم يفعل فعليه البدل؛ أما عند الحنفية، فليس توقيف الهدي بعرفة من السُّنَّة [5] .

أصل التفث في اللغة: الوسخ؛ تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك، أي: ما أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبي الصلت:

شاحين آباطهم لم ينزعوا تفثًا ... ولم يسلُّوا لهم قملًا وصِئبانًا [6]

والتَّفَثُ في الحج: نَتْفُ الشَّعر، وقَصُّ الأَظْفار، وتَنَكُّبُ كُلِّ ما يَحْرُم على المُحْرم، وكأَنه الخُروجُ من الإِحرام إلى الإِحْلال. وفي التنزيل العزيز: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} (الحج:29) أي: ليقضوا حوائجهم من الحَلْق والتَّنْظيف ... ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (التفث: الرمي،

(1) - يُنظر لسان العرب: 9/ 242.

(2) - يُنظر المجموع: 8/ 111.

(3) - يُنظر رد المحتار: 4/ 37، والفتاوى الهندية: 1/ 262.

(4) - تُنظر هذه الآثار وغيرها في"المصنف"لابن أبي شيبة، كتاب الحج، باب في التعريف بالبُدن، الآثار رقم (14971) - (14979) .

(5) - تُنظر أقوال المذاهب في هذه المسألة في بداية المجتهد: 2/ 726.

(6) - يُنظر تفسير القرطبي: 12/ 34، والبيت في ديوان أمية بن أبي الصلت: ص 518؛ و (شاحين) من شحا الرجل: إذا باعد بين خطاه؛ وشحا الرجل فاه: فتحه؛ والمعنى: رفع الحجاج أيديهم بالدعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت