وللمعنى جانب ثالث، وهو أن الغريب سالم من الرذائل التي منشؤها الاختلاط بالناس والانبساط إليهم، والاشتغال عن الخالق، فهو قليل الحسد والحقد والنفاق والنزاع، قليل الوقوع في أعراض الناس، والوشاية بهم.
وفي الحديث ترقٍّ وتدرُّج إذ أعقب الأمر بمشابهة الغريب بقوله: (( أو عابر سبيل ) )ولا شك أن تعلقات عابر السبيل أقل من تعلقات الغريب.
وهذا المعنى - الذي هو إطلاق (( الغربة ) )على الغربة الحسية، وهي مفارقة الأهل والوطن، ومساكنة قوم آخرين، قد ورد في أحاديث كثيرة جدًا، لا داعي لسردها هنا.
(ب) وجاءت بمعنى الاغتراب المعنوي، وهو أن يكون المرء على حال من الاستقامة ولزوم الجادّة، ومجانبة الفتن والأهواء، وملازمة السمت الذي كان عليه الصدر الأول، مع قلة النصير والمعين والموافق، وكثرة المنابذ والمخذل والمخالف، فيسمى صاحب هذه الحال (( غريبًا ) )ذهابًا إلى المعنى العام الذي أُشير إليه قبل _ وهو عدم موافقته لمن حوله؛ إذ له شأن ولهم شأن، وهو في واد وهم في واد، وهذا المعنى هو المقصود في هذا البحث أصلًا، وهو مفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ ) ) [1] .
(1) سلسلة رسائل الغرباء، الرسالة الأولى (( الغرباء الأولون: 17 طبعة 1409 ) )للشيخ سلمان فهد العودة بتقديم الشيخ أبن باز رحمه الله.
ومن الفائدة بمكان القول: أن أهل العلم من علماء الدعوة السلفية المباركة قد أستدركوا على سلمان العودة عدة مؤاخذات وتخبطات عقدية ومنهجية فليعلم، وراجعوا إن شئتم (( مدارك النظر للشيخ عبد المالك الرمضاني ) )و (( أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية للعلامة ربيع بن هادي المدخلي ) )وغيرها كثير.
ومثله قرينه سفر الحوالي اللذين أصدرت في حقهما هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية برئاسة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ فتوى بتوقيف كافة نشاطاتهما وأعمالهما الدعوية، وما جاء ذلك إلا لعظيم شرهما، وفداحة خطرهما على الناس والمجتمع، ونصها (( من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير المكرم نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية وفقه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى كتاب سموكم الكريم رقم (م/ب/4/ 192/م ص) وتاريخ 21 - 22/ 3/1414 هـ 0 المتضمن توجيه خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بعرض تجاوزات كل من / سفر بن عبد الرحمن وسلمان بن فهد العودة في بعض المحاضرات والدروس على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الحادية والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء من تاريخ 18/ 3/1414 هـ ضمن ما هو مدرج في جدول أعماله ... وأفيد سموكم أن مجلس هيئة كبار العلماء إطلع على كتاب سموكم المشار إليه ومشفوعة ملخص= =لمجالس ودروس المذكورين من أول محرم 1414 هـ ونسخة من كتاب / سفر الحوالي (وعد كيسنجر) وناقش الموضوع من جميع جوانبه، واطلع كذلك على بعض التسجيلات لهما، وبعد الدراسة والمناقشة رأى المجلس بالإجماع: (مواجهة المذكورين بالأخطاء التي عرضت على المجلس - وغيرها من الأخطاء التي تقدمها الحكومة- بواسطة لجنة تشكلها الحكومة ويشترك فيها شخصان من أهل العلم يختارهما معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، فإن اعتذرا عن تلك التجاوزات، والتزما بعدم العودة إلى شيء منها وأمثالها، فالحمد لله ويكفي، وإن لم يمتثلا منعا من المحاضرات والندوات والخطب والدروس العامة والتسجيلات، حماية للمجتمع من أخطائهما هداهما الله وألهمهما رشدهما) أ. هـ.
وقد طلب إلي المجلس إبلاغ سموكم رأيه هذا، وأعيد لسموكم برفقه كتابكم المشار إليه ومشفوعاته
وأسأل الله أن يوفق خادم الحرمين الشريفين وسموكم لما يحبه ويرضاه، وأن يعين الجميع على كل خير إنه سميع قريب 0
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 0000
مفتي عام الملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء و إدارة البحوث العلمية والإفتاء.[أنظر (مدارك النظر: 490 للرمضاني) و (إتحاف البشر بكلام العلماء في سلمان وسفر: 5 لأحمد الأحمدي) . ...
و عقد في منزل الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - بمكة في شهر رجب عام 1413 هـ مجلس ضم مجموعة من المشايخ وطلبة العلم، وقد سأله أحد القضاة فقال: سماحة الشيخ هل هناك ملاحظات وأخطاء على سفر وسلمان؟
فأجاب فضيلة الشيخ: نعم نعم، عندهم نظرة سيئة في الحكام، ورأي في الدولة، وعندهم تهييج للشباب وإغار لصدور العامة وهذا من منهج الخوارج وأشرطتهم توحي إلى ذلك، قال القاضي: يا شيخ هل يصل بهم ذلك إلى حد البدعة؟
قال الشيخ: لا شك إن هذه بدعة اختصت بها الخوارج والمعتزلة هداهم الله هداهم الله [أنظر: إتحاف البشر: 6] .