الصفحة 45 من 116

السلام، والأنبياء بعده، حتى إن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قد صورهما العرب بصورة المؤيدين للعوائد والرسوم الجاهلية الوثنية )) [1] .

ثانيًا: العصبية لتراث الآباء والأجداد:

وهذا وحده يُعَدُّ من الأسباب المباشرة التي جعلت أهل مكة يقفون بوجه دعوة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بعنف وكبرياء، لأنه قد عَظُم عليهم أمر الخروج عن تراث عظيم توارثوه عن آبائهم وأجدادهم وأحاطوه بهالة من التقديس والتبجيل، ولهذا نرى أن أبا طالب وهو في النزع الأخير يصارع الموت لم يقوى على الخروج عن هذا الإطار وعن هذا التراث، حتى كان آخر كلمة يقولها (( أنا على ملة عبد المطلب ) )في معرض رده على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) الذي طالبه ـ والشفقة عليه تملأ قلبه ـ أن يقول لا إله إلا الله كلمة يحاجج له بها ربه يوم القيامة، ولكنه أبى الخروج عن دين أبائه وأجداده.

ولهذا كان من عادة (( المشركين والوثنيين: تقديس ما وجدوا عليه آباءهم، وتحريم المساس بشيء منه؛ إذ هو عندهم الشرع الأعظم، والمنهج الأقوم، الذي يعتبر من تردد في قبول شيء منه - بل من رده، أو ردَّ بعضه - مسفِّهًا للسابقين، مزريًا بعقولهم، مستكبرًا عليهم غير مؤدٍّ لحقوق البر الواجب لهم؛ فهو منسوب إلى عقوقهم، والسعي لإخمال ذكرهم، ولهذا كان أكبر طاغوت تحارب به دعوات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو طاغوت التقليد والعادة المتبعة [2] .

(1) الغرباء الأوائل: 85.

(2) تعتبر حجة تقليد الأباء والأجداد حجة قديمة ومتكررة عبر حقب الزمان المتتالية، فقد تمسك بها الأولون، وهي لا تزال مستمرة تنبض بالحياة عند المتأخرين، الذين تشبثوا بها ولم يخرجوا عنها، ولهذا تجد لها انتشارًا واسعًا بين الناس، فما تأتي أحدهم بدليل وبرهان ينقض ما هو عليه من خرافات وأباطيل وتقاليد باطلة إلا وأحتج عليك بما وجد عليه الأباء والأجداد، وكأنها قارب نجاة يهرع إليه متى ما أعيته وأفزعته الحجج الدامغات والبراهين الواضحات، ولو نظرنا في مناظرة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه حول جدوى عبادتهم للأوثان التي كانوا يعكفون حولها، وبماذا جاء ردهم عليه لوجدنا المثال جليًا واضحًا، قال الله تبارك تعالى حكاية عنهم {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيم * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 69 ـ 74] . ... =

= فأنظروا ـ يرحمكم الله ـ كيف ردوا على إبراهيم عليه السلام عندما سألهم عن حال أوثانهم التي يعبدونها من دون الله، وهل تسمعهم أو تنفعهم أو تضرهم؟ لم يقولوا أنها تسمع أو تنفع أو تضر، بل هربوا من الإجابة على هذه الأسئلة التي نزلت على رؤوسهم كصاعقة مدوية لم يجدوا عنها مهربًا إلا بالاحتجاج بالحجة المعهودة (( بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) ).

ولو نظرنا في القرآن لوجدنا أنه يرد على فريتهم تلك في مواضع كثيرة، حيث بيَّنَ وهنها وضعفها، وأنها لا تقوم وتستقيم لتكون حجة نافعة لهم فتنجيهم من الحساب والعقاب يوم القيامة، قال تعالى عنهم {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .

وقال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .

ومن المعلوم أن ليس كل إتباع للأباء والأجداد يكون مذمومًا، بل على العكس فقد يكون إتباعهم محمودًا إذا كانوا على الحق المبين، كما قال تعالى عن يوسف الصديق أنه قال {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] .

(41) قال الطبري في تفسيره: (( 6/ 588 ) ): (( قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره قال فرعون وملأه لموسى: {أجئتنا لتلفتنا} يقول: لتصرفنا وتلوينا {عما وجدنا عليه آباءنا} من قبل مجيئك من الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت