الفصل الرابع
أنواع الغربة وأسبابها ومظاهرها
لقد علمنا مما سبق ذكره وبيانه أن الغربة غربتان، وأن لكل غربة لها أسبابها التي أدت إلى ظهورها وانتشارها وبسط هيمنتها على واقع الحداث، مما أدى بالتالي إلى ظهور عدة مظاهر وآثار كافرازات مريرة وقاسية، أحس بها الغرباء دون غيرهم من الناس، وإليك ـ أخي الحبيب ـ البيان والتفصيل:
أولاُ: غربة أولى.
ثانيًا: غربة ثانية.
أما الغربة الأولى: وهي غربة المسلمين الأوائل في مكة، وما عانوه فيها من جور واضطهاد من قبل مشركي قريش، الذين وقفوا بكل عناد واستكبار بوجه هذا الدين الجديد، الذي شعروا من أول وهلة أنه سيسلب كل ما في أيديهم من ملك وجاه ووصاية على باقي القبائل التي تدين لهم بالولاء والرجوع لكونهم أهل البيت وسدنته.
ولعل من المفيد أن نذكر بعض الأسباب التي ساعدت على ظهور هذه الغربة، مما أدى بالتالي إلى اغتراب المسلمين الأوائل المتمسكين بدينهم وهم بين أهليهم وعشيرتهم:
أولًا: ضعف تأثير النبوات السابقة في جزيرة العرب: وهذا شيء قد عُلم أهميته وأثره البالغ، من خلال ما بَدَر من أهل مكة من تصرفات همجية جاءت كرد فعل على ما جاء به النبي (- صلى الله عليه وسلم -) من دين يأمرهم به بنبذ كل ما كانوا عليه من أدران الجاهلية وأثارها المقيتة، فقد كان تأثير دعوات الأنبياء التي خص الله تعالى بها أقوامًا ممن يسكنون خارج الجزيرة العربية على الجزيرة العربية ضعيفًا جدًا، مع أن أخبار