فليس كل مَن شعر بالغربة وادَّعاها صادقًا موفَّقًا مهتديًا.
ولقد كان الخوارج -حين ظهورهم- غرباء بين الصحابة والتابعين وما زالوا كذلك إلى يوم الناس هذا، وغربتهم هذه غربة مذمومة غير محمودة لما فيها من مفارقة الجماعة وترك السبيل والسنة، والاعتداد بالنفس وتحمُّل مخالفة الأئمة الأفذاذ المشهود لهم بالعلم والصلاح والله المستعان [1] .
لقد ظهرت هذه المظاهر وطفت على سطح الأحداث كنتيجة حتمية لأسباب كثيرة سنشير إليها لاحقًا، حيث تركت أثرًا واضحًا في مسيرة الأمة الإسلامية وزادت في الوقت نفسه من غربة من يتمسك بدينه وعقيدته، حيث نرى أن الزمان قد أستدار وعاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا، وأحاط بالغرباء ما أحاط بالسابقين الأولين، حيث أطلَّ علينا زمان يجر خلفه عربات شر مستطير بسنوات خداعات، ألقت بظلالها الثقيلة وتبعاتها العظيمة على مجريات الأحداث، حتى نطق فيها الرويبضات التي أطلت برؤوسها الخاوية من قماقمها بعد طول سبات وسكون، كما أصبح فيها لأهل الأهواء والبدع صولات وجولات، ودق لهم فيها بطبول ومزامير على حين غفلة من أهل الحق ومريديه.
أما الزمان فكأنه ذلك الزمان الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في معرض رده على أسئلة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي جاءه يسأل عن الشر خشية أن يدركه ويقع فيه.
فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
(1) رسائل الغرباء / الرسالة الثانية: صفة الغرباء ص: 76 للشيخ سلمان فهد العودة.