أنفسهم!
ومع ذلك فهذه الفرقة مطالَبة بالقيام بأمر الله، ونشر دينه ودعوته، والصَّدْع بما لديهم من علم وفهم، ومعالجة لهذه الغربة، والقيام بتجديد الدين بين المسلمين، وإقامة الحُجَّة على أهل العصر، وعدم الاستسلام لليأس أو الرُّكون إلى الدَّعة، ويتولَّى عظم هذا الأمر وجملَته الطائفة المنصورة -كما سيأتي- وهي من الفرقة الناجية.
فوصفهم بالغربة ليس حثًّا على الاعتزال ولا أمرًا بالقعود؛ بل هو دعوة إلى التميُّز بالمنهج المستقيم والصبر عليه، وإعلانه والدعوة إليه والاجتماع حوله، إذ إن ذلك كله من أسباب اندفاع الغربة وزوالها، ومن أسباب الاستمساك بالحق الذي يحمله المغترب، فالمضحِّي في سبيل شيء ما يعزُّ عليه أن يتخلَّى عنه، وحين يكون هذا الشيء هو الحق؛ يكون ذلك من سعادة المسلم وتوفيقه.
وإذا كان الشعور بالغربة، وكثرة المخالفين والمناوئين شعورًا صحيحًا لدى الفرقة الناجية، بحيث لا يَعيبهُم نبزُ الناس لهم بالشُّذوذ، واتِّهامهم بتفريق الصُّفوف؛ فإنه يجب التفريق بين هذا وبين الشعور المنحرف الذي يتعاظم ويشتدُّ لدى بعض الغلاة الذين لا يجدون مَن يوافقهُم في غلوِّهم وانحرافهم، فيُعَزُّون أنفسهم بأنهم يعيشون زمن غربة الإسلام، فيزيدهم هذا تمسُّكًا بما هم عليه وإعراضًا عن المراجعة، وتصحيح المنهج، واتهام النفس.
والفيصل في هذا هو النص المحكم الذي يجب الرجوع إليه فيما يشتجر بين المسلمين من الخصومة، وفهمُ السلف الصالح لهذا النص من الصحابة ومَن بعدهم من أئمة المسلمين والأئمة والعلماء العاملين المعاصرين ممَّن عُرف بالتزام السنة و مجانبة البدعة والإعراض عن الدُّنيا ومطامعها، وهم أهل الذكر الذين أقامهم الله حجة على عباده.