وهما في دائرة الخصوصية والد وولده، مسلمان، وفي كلا الحالين لهما حقوق، وهي حقوق معلومة مقدرة من الشارع الحكيم.
هذا، وإن المتأمل في موارد كلمة (البر) في القرآن الكريم يلحظ أنها وردت في موارد تدل على معاني: الصدق، والعطف، والإحسان، وكثرة الخير والعطاء، والإحسان، والإيمان، والطاعة، وفعل البر، والتجاوز، والمغفرة. وهذه المعاني لا شك أنها مطلوب ملاحظتها من الولد وهو يتعامل مع والديه براً بهما، فصدق التعامل ظاهراً وباطناً، والإحسان، وكثرة الخير والعطاء، والطاعة لهما، والتجاوز عنهما، كل ذلك مرغوب مطلوب من الولد في حق والديه. كما يلحظ المتأمل في لفظ (البر) في القرآن الكريم أن هذه اللفظة لم ترد بصيغة الأمر. وحين تعلق الأمر ببيان تعامل نبيين كريمين من أنبياء الله أحدهما مع والدته وهو عيسى - عليه السلام -، وثانيهما مع والديه وهو يحيى - عليه السلام -،كان البيان بصيغة خبرية، ووصف كلاهما بأنه (برٌّ) بمعنى (بارّ) فجاء قوله تعالى عن عيسى - عليه السلام: ... [1] ، كما جاء قوله تعالى عن يحيى - عليه السلام - ... [2] . وإيثار التعبير بالمصدر (برًّا) له دلالاته الواسعة، وإيماءاته المتعددة، وذلك ليكون بر الولد بوالديه شاملاً لجميع أجزاء ما يطلق عليه بر في جميع أحواله وأشكاله وهيئاته، بالقلب واللسان، والفعل والحال، براً يزيد ولا ينقص، يقوى ولا يفتر، يتصل ولا ينقطع، فكأن البر بذلك متمثل في الولد البار، فكأنه بذلك برٌّ يمشي على الأرض. وذلك كله يبرز عظمة الهدي القرآني وشموله وكماله وتمامه، فهو بهذه اللفظة المفردة (برًّا) قد أحاط بجميع المعاني والصور المطلوب أداؤها برًّا بالوالدين، فهي لفظة جامعة مانعة صغيرة المبنى لكنها كبيرة وعظيمة المعنى، فسبحان مَنْ هذا كلامُه، وهو وحده العليم بالمراد من كلامه.
ومن الألفاظ القرآنية الجامعة المانعة والتي جاءت مأموراً بها في بر الوالدين لفظ (الإحسان) ، والإحسان: لفظة جامعة لمعانٍ من الخير كثيرة، وهو يكون في القصد بتنقيته من شوائب الحظوظ وتقويته بعزم لا يصحبه فتور، وبتخليصه من الأكدار الدالة على كدر قصده، ويكون الإحسان في الأحوال بمراعاتها وصونها غيرة عليها أن تزول.
والإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، ومنه: أحسَنَ إلى فلان.
وثانيهما: الإحسان في الفعل، وذلك إذا عمل عملاً حسناً، أو علم علماً حسناً، ومنه قول على - - رضي الله عنه - - (( الناس أبناء ما يحسنون ) ) [3] ،
(1) سورة مريم، الآية (32) .
(2) سورة مريم، الآية (14) .
(3) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (236) .